348

Al-Lāmiʿ al-ʿAzīzī sharḥ Dīwān al-Mutanabbī

اللامع العزيزي شرح ديوان المتنبي

يقول: إن كانت هذه المرابع قد درست، فطالما خلوت فيها بجارية كاعب، أقبلها وأترشف ريقها، وهي تعاتبني حتى أفنيت ريقها بالترشف؛ وأفنت كلامي بالعتاب.
قد كنت تهزأ بالفراق مجانةً ... ويجرّ ذيلي شرّةٍ وعرام
وروى: قد كنت أهزأ وأجر والمجانة: المجون. والعرام، والعرامة: خلع العذار.
يخاطب نفسه ويقول: قد كنت تستصغر شأن الفراق، وتسخر منه في أيام الوصال وكنت تجر ذيل الشرة والنشاط، ولم تشكر ما أنت فيه من النعمة، حتى بليت بالفراق فعرفت مرارة الاشتياق.
ليس القباب على الرّكاب وإنّما ... هنّ الحياة ترحّلت بسلامٍ
يقول: هذه الهوادج التي على الجمال ليست هي القباب؛ وإنما هي حياتي رحلت عني، وكانت حياتي سالمة فذهبت بما فيها من السلامة.
ليت الّذي خلق النّوى جعل الحصى ... لخفافهنّ مفاصلي وعظامي
لخفافهن: أي لخفاف الركاب.
يقول: ليت الله تعالى لما خلق الفراق جعل مفاصلي، وعظامي تحت خفاف الإبل، حتى يمشين عليها؛ لكرامتهن علي، بسبب من عليها من الجواري.
وقيل: تمنى ذلك ليتلف بسببهن، كي يستريح من الاهتمام بفراقهن، وليتذذ بهذا الموت، بعد علمه بأن الفراق أشد من الموت.
وقيل: معناه ليت الله تعالى لما خلق الفراق أماتني قبل أن أبتلي به، وجعل عظامي حصى تدوسه إبلهم بأخفافها: أي ليتني مت قبل أن أرى الفراق.
متلاحظين نسحّ ماء شئوننا ... حذرًا من الرّقباء في الأكمام
متلاحظين: نصب على الحال من فعل محذوف: أي وقفتا متلاحظين، يلحظ بعضنا بعضًا، وينظر إليه سرًا. ونسح: أي نصب والشئون: مجاري الدموع من الناس. وحذرًا: نصب على المفعول له وفي الأكمام: متعلق بقوله: نسح. أي نسح في الأكمام.
يقول: وقفنا متلاحظين حال التوديع: نصب دموعنا في أكمامنا خوفًا من الرقباء أن يقفوا على أحوالنا.
أرواحنا انهملت وعشنا بعدها ... من بعد ما قطرت على الأقدام
روى: انهملت وانهلت.
يقول: إن الدموع هي أرواحنا، سالت منا وقطرت على أقدامنا، فكيف عشنا بعد خروج الروح من أبداننا؟؟! وجعل الدموع أرواحًا لأن البكاء يمرض ويتلف.
وقيل: أراد أن دموعهم كانت دمًا! والدم إذا كثر خروجه أتلف ومثله لآخر:
وليس الّذي يجري من العين ماؤها ... ولكنّها نفسٌ تذوب وتقطر
لو كنّ يوم جرين كنّ كصبرنا ... عند الرّحيل لكنّ غير سجام
السجام: الغزيرة، وهي جمع ساجم.
يقول: لو كانت دموعنا يوم الفراق على قدر صبرنا. لكانت قليلة كقلة صبرنا.
لم يتركوا لي صاحبًا إلاّ الأسى ... وذميل ذعبلةٍ كفحل نعام
روى: الأسى والأذى والذميل: ضرب من السير. والذعلبة: الناقة الخفيفة، وروى بدلها عرمسة.
يقول: لم يترك الأحباب الراحلون صاحبًا لي إلا لحزن، وناقةً خفيفةً أرحل عليها، وأقصد الممدوح، وهي في السرعة كفحل النعام.
وتعذّر الأحرار صيّر ظهرها ... إلاّ إليك، عليّ فرج حرام
يقول: قلة الأحرار وتعذرهم حرم علي أن أركب ظهر هذه الناقة إلا إليك، فلا أقصد عليها سواك، كما لا أركب فرجًا حرامًا.
أنت الغريبة في زمانٍ أهله ... ولدت مكارمهم بغير تمام
أنت الغريبة: أي الخصلة الغريبة، أو الحالة الغريبة. وقيل: أدخل الهاء للمبالغة كقولهم: فلان كريمة قومه.
يقول: إن أهل هذا الزمان إذا فعلوا مكرمة لم يتموها، وأنت بينهم غريبة؛ لتمام مكارمك وكمال معالمك.
أكثرت من بذل النّوال ولم تزل ... علمًا على الإفضال والإنعام
يقول: أكثرت بذل العطاء وبالغت في الجود والسخاء، حتى صرت في الجود علمًا مشهورًا ومثالًا مضروبًا، ولم تزل كذلك في قديم الأيام.
صغّرت كلّ كبيرةٍ وكبرت عن ... لكأنّه وعددت سنّ غلام
يقول: فعلت كبار الصنائع حتى صغرت كل صنيعة كبيرة! وجل قدرك عن أن يشبه شيء، فيقال: والله لكأنه بحر في جوده، وبدر في علوه، وبلغت هذا المبلغ وأنت في سن الغلام الحدث! واللام في قوله: لكأنه جواب القسم المحذوف لدلالة اللام عليه.
ورفلت في حلل الثّناء وإنّما ... عدم الثّناء نهاية الإعدام

1 / 348