260

Minhāj al-Taʾsīs waʾl-Taqdīs fī Kashf Shubahāt Dāwūd b. Jirjīs

منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس

Publisher

دار الهداية للطبع والنشر والترجمة

فيه ما يتمسك به المبطل، فإنه لما عد الشرك الأصغر وفرغ من المقصود منه قال: من أنواع الشرك، وهذا رجوع إلى ما ذكر من الشرك الأكبر، ويدل عليه أو الكلام والسياق.
وقال ﵀: أما الشرك فهو نوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. وهو أن يتخذ من دون الله ندًا، يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر وإن استوحش لا ينكر ذلك. ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده. وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهما اتخذوها من البشر (١)، قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: من الآية٣]، فهذه حال من اتخذ من دون الله أولياء، يزعم أنهم يقربونه إلى الله زلفى، وما أعزّ من تخلص من هذا، بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره.
والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع عند الله لهم (٢)، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابه، وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له.

(١) الذي لا شك فيه أن الأولين لم يتخذوا آلهتهم من الحجر إلا على أنها تمثل أولياءهم ومعتقديهم من البشر، ولذلك سماها الله أولياء، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [لأعراف: من الآية١٩٤]، فالشرك في كل زمان واحد وإن اختلفت الأسماء، وقد صرّح بذلك الإمام ابن القيم في غير موضع من كتبه.
(٢) وما قام هذا في نفوسهم إلا بما أوحى إليهم شياطينهم: أن أولياءهم من نور الله الذي فاض منه ﷾، وأنهم بهذا صاروا من جنسه ولهم صفاته وخصائصه من الحياة والسمع والبصر والقدرة وغيرها. وأن لهم بذلك دالة عليه، كأبناء الملوك وأقاربهم وهم لذلك يسمونهم أهل الله، ومن هنا كان دعاؤهم إياهم ولجوءهم وعبادتهم، وهو الشرك القديم=

1 / 264