ويدل ذلك على أن الرسول من البشر أفضل من قومه، فقياس ذلك أن يكون الملك المرسل إليه أفضل منه.
وحجة خامسة: وهو أن الله جل ثناؤه سمى الملائكة الملأ الأعلى، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أن الملأ في اللسان، هم العظماء والأشراف، قال الله تعالى: ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه﴾. على خوف من فرعون وملئهم، أي من أكبر قومه. وقال: ﴿وقال الملأ من قوم فرعون﴾. أي كبراؤهم، فإن جماعتهم لم يكونوا بخاطبي فرعون، فلما سمى ﷿ عامة الملائكة بالاسم الموضوع للعظماء، دل ذلك على أنه إنما سماهم بذلك لأنهم بالقياس إلى سكان الأرض غاية كبرى عظماء، وليس فيهم من ينحط قدره من أحد من أهل الأرض.
والمعنى أن نسبهم إلى العلو دلالة بذلك على فضلهم، وتنبيهًاعلى علو قدرهم، لأنه لا شك أن السماء أفضل من الأرض، فقد ينبغي أن يعقل من ذلك أن الله تعالى إذا كان هو الذي أسكن الملائكة السماء، والبشر الأرض، ولم يكن ليسكن أفضل المكانين أدون الخليقتين، وأدون المكانين أعلى الخليقتين، وفي هذا ما أبان أن الملائكة أفضل من البشر.
وحجة سادسة: وهو أن التقى من البشر أفضل من الذي يخلط العمل الصالح بالسيئة.
والملائكة كلهم يخلصون للطاعات، وليس فيهم أحد يخلطها بشيء من المعصية، ولا التقاة من البشر أن عصموا من الكبائر فقد لا يعصمون من الصغائر، وان أسلموا من الفعل فقد لا يسلموا من الهم.
وقد أخبر الله ﷿ بأنههم لا يعصون الله ما أمرهم، ولا يسبقونه بالقول وهم من خشية ربهم مشفقون، وأنهم لا يستخرون عن عبادته ولا يفترون، وفي هذا سوى ما ذكرنا من أتقياء البشر أن سلموا من كبائر الذنوب وصغائرها فليس أحد منهم يتعبد دائمًا، والملائكة يعبدون الله دائمًا لا يفترون، فيجب عن هذا أن لا يكونوا أفضل من البشر.
فإن قيل: لو وجب أن يكون أفضل الأنبياء يحيى بن زكريا ﵉ لأن نبينا ﷺ أخبر أنه لا يخطئ قط، ولا هم بخطيئة؟