297

Al-Minhāj fī shuʿab al-īmān

المنهاج في شعب الإيمان

Editor

حلمي محمد فودة

Publisher

دار الفكر

Edition

الأولى

Publication Year

١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م

قيل: معنى ذلك أنه كان من الجنه خلقوا من النار، وكان إجراته أنه في الأرض غير أن الله ﷿ أذن له في مساكنة الملائكة ومجاورتهم لحسن عبادته وشدة إجتهاده، وقد وردت الأخبار ببيان ذلك من حاله، فلما أسكن السماء وطال اختلاطه بالملائكة ومباينته لجنسه جرى في عداد الملائكة، وصار يواجدهم كالأعجمي يختلط بالعرب ويسكن بلادهم، فتعلم لسانهم وتخلق بأخلاقهم، فيكون أعجميًا مبعوثًا، ويدعى بذلك من العرب المستعربة كلهم هكذا.
فلما أمرت الملائكة بالسجود لآدم دخل في الجملة الملك الأصيل والملحق بالملائكة، غير أن مفارقته الملائكة في أصل جملته على مفارقتهم في الطاعة، قال الله ﷿: إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، كما يكون الأعجمي المبعوث بين قوم فإذا همت العرب بأمر وأجمعت عليه، حمل الأعجمي أصله المخالف لأصل العرب على خلافهم، فيقال أنه كان من الأعاجم، فكذلك لم يواطئ العرب، فرده الله بعد ذلك إلى مساكن جنسه، وأخرجه من السموات، فصار عند الاقصاء شيطانًا كما كان عند الأدنى ملكًا.
وأما قول الله ﷿: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا﴾. فإن الناس لم يتفقوا على أن الإشارة به واقعة إلى قولهم: الملائكة بنات الله، لكن ذلك قد قيل، وقيل غيره: وهو أن مشركي العرب كانوا يقولون للأصنام أنها بنات الله، وسمتها لذلك آلهة، ويزعم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله ﷿، ولذلك كانت تسميها اللات والعزى ومناة.
وإنما وقع لهم من حيث أن الشياطين كانت تدخل أجوافها، فيكلمهم منها، فكانوا ينسبون ذلك الكلام إلى الله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا﴾ لأنهم سموا الأصنام لمكان تكليم الجنة إياهم من أجوافها آلهة، وادعوا أنها بنات الله وأثبتوا بين الله تعالى وبين الجنة نسبًا، جهلًا منهم، بأن الكلام الذي يسمعونه، إنما هو كلام الشياطين، لا كلام الله جل ثناؤه، وليس هذا في الظهور دون الوجه الآخر، والله أعلم.
وأما قوله ﷿: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار﴾. فإنما هو بيان ما ركبه من خلق متقد، فلم تدخل الملائكة في ذلك لأنهم

1 / 307