فأخبر بهذه الآية عن منازل الملائكة وإبان أنه لا يجوز أن يقال أنهم ولد الله ولا أنهم بنات الله، كما كان كثير من العرب يقولون، فأنكر الله عليهم قولهم، وقال: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شادتهم ويسألون﴾. وقال: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون، أم خلقنا الملائكة إناثًا وهو شاهدون، ألا إنهم من إفكهم ليقوةلون ولد الله، وإنهم لكاذبون﴾.
وإذا تأمل وجد قول العرب: إن الملائكة ولد الله نازعًا إلى قول الأوائل الذين يسمونهم ترابى، ويزعمون أنهم قاصوا عنه، فإن كل ولد فهو يأتي والده وقابض عنه.
ثم إن العرب سمتهم أولادًا كما يقولون في كثير من الأشياء: تولد هذا من هذا، وتجاوزت ذلك إلى تسميتهم بنات، على معنى أنهم محجوبون عن الأبصار، فهم كالمخدرات من الأولاد، وهن البنات، فرد الله تعالى ذلك كله عليهم، وانتقى منه، فأنكره واخبر أنه: لا منزلة للملائكة إلا أنهم عباد مكرمون، وإبان عن فضل خشيتهم ورهبتهم له، ودل على أن كرامتهم عنده إنما هي لأجل طاعتهم له، ولو عصوه لعذبهم بالنار، كسائر العصاة.
فهذا هو الذي ينبغي أن يعتقد فيهم، فيكون ذلك إيمانهم إلا ترى أن الإيمان بالمسيح صلوات الله عليه ليس أن يترك فوق منزلته، كما يقول النصراني، لكن ذلك كفر بالله ﷿، وبه أيضًا، وإنما الإيمان به أن يعتقد فيه أنه عبد الله ورسوله، فكذلك الإيمان بالملائكة، ليس أن ينزلوا فوق منازلهم، لكن أن لا يبخسوا حظًا جعله الله تعالى لهم من فضله والله أعلم.
وأما تصريفهم على ما يصرفهم الله تعالى عليه في الدنيا والآخرة، فقد قال ﷿: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس﴾. وقال ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى﴾. يعني الملائكة الذين أرسلهم الله إلى قومخ لوط وقالوا: ﴿إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾. وقال: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾. وقال: ﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، إن الله يبشرك بيحيى﴾.