أو يمر مرًا طويلا أو قصيرا ثم يقف فهو أشبه بما يرى من قذافات الأرض، فكيف يجوز أن يترك العيان ويجحد بالأوهام والظنون.
وأيضا فإن الأبخرة التي تتصاعد عن وجه الأرض، أين كانت إنما اكتسبت اليبس من قبل الشمس، فينبغي إذا انقطعت مجاورة الشمس عنها بمجيء الليل وحالت الأرض بينها أن تعود إلى حالتها الأولى، وترطب برطوبة الهواء، ثم تستحيل إليه وتبلغ النار التي يقولونها وهي حارة يابسة، وإن كان البخار الرطب يبلغ من تأثير الشمس فيه أن تجعله مهيأة للاحتراق ولتؤثر هذا الأثر في الهواء نفسه، فيخترق بالنار المجاورة له بزعمه، أو لتؤثر تلك النار نفسها فيما يجاورها من الهواء وتحرقه، في فساد ذلك فساد ما قاله هذا القائل والله أعلم.
ويقال له: أرأيت البخار الحار اليابس إذا احترق بالنار يصير نارًا فلا يمكنه أن يقول أنه يصير رمادًا، إلا أن تلك الأبخرة ليست أجزاء من التراب، وإنما هي من قبل الأنداء المركبة في أشياء الأرض، ولا أن يقول أنه يصير شيئًا ما يشير إليه، فإنما ينبغي أن يقول: أنها صارت في طبيعة النار اتحدث بها، فصارت نارًا، فكيف يرى ما يتصل به ويتحد معها. ومعلوم أن تلك ينبغي أنه تكون أعظم وأبسط وأقوى من هذه أضعافًا كثيرة، فكيف صار هذا الجزء اليسير الذي انقلب نارا ترى، والعظيم والكبير الذي انقلب هذا إلأيه واتحد معه لا شيء؟
فإن قيل: أنه يلزمكم من هذا بل ما ألزمتم غيركم لأنه يقال لكم، والجن الذي ترمي تحرق ماذا يصير، فلا يمكنكم أن تقولوا: أنه يصير رمادًا، وإن قلتم تصير نارًا، فكيف صار هو وما قذف به النار يرى؟ والنار العظيمة التي من فوق لا ترى؟
فالجواب: أن الله ﷿ أخبر أنه ﴿خلق الجان من مارج من نار﴾. فقد يجوز إذا ورد عليها نار أقوى منها أن تأكلها وتبطلها، فأما أن هذا يرى، وتلك النار التي يصفونها إن سلمت لهم لا ترى، فلا يلزمنا منه ما يلزم، لأن هذا عندنا من أعلام النبوة، وأعلام النبوة كلها ناقضة للعادات، ظاهرة للإدراكات، خارجة من حكم المغيبات، والله أعلم.