112

Min balāghat al-Qurʾān fī al-taʿbīr biʾl-ghudū waʾl-āṣāl

من بلاغة القرآن فى التعبير بالغدو والأصال

ونرمق هذا المعنى في حديث القرآن عن نبي الله زكريا ﵇ فقد جاء الأمر بالذكر والتسبيح له ولقومه في قوله سبحانه: (واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشي والإبكار.. آل عمران/٤١)، وقوله: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًا.. مريم/١١)، وجاء التكليف بذلك في سياق الحديث عن مناقبه ﵇ إعلامًا باصطفائه واستحقاقه شرف النبوة وتشريفه بتكاليفها وأعمالها، وحسبنا دلالة على ذلك ما أخبرت به وأفصحت عنه الآيات السابقة واللاحقة للآيات المذكورة في السورتين من أمر اجتهاده ﵇ في الطاعة والعبادة، من نحو ما أفاده قوله سبحانه: (وهو قائم يصلي في المحراب...آل عمران/٣٩) كذا بلفظ القيام المعبر عنه باسم الفاعل الدال على الملازمة والثبوت على أمر الصلاة لله جل وعلا والقيام بين يديه.. ومن أمر إقباله على الدعاء من غير تأخير، وهو ما ينبىء عنه تقديم الظرف على الفعل في قوله: (هنالك دعا زكريا ربه.. آل عمران/٣٨) (١) .. وأمر خضوعه ﵇ وإلحاحه في الطلب، على ما جاء في قوله: (إذ نادى ربه نداءًا خفيًا.. مريم/٣)، "أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السرّ، الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة" (٢) ... وأمر إيثاره فيما طلب، رضاء الله وحظ الآخرة على ما ينتظره أي والد قد بلغ من الكبر عتيًا ومن العمر أرذله من ولده، من شدّ أزر ومن إعانة على ظروف الحياة وصروفها ... وأمر تطلعه ﵇ بدل ذلك إلى أن تمتد فيه وفي نسله شجرة النبوة والعلم والعمل، إرضاء لصاحب المنّة والفضل سبحانه، القائل حكاية عنه وعلى لسانه: (فهب لي من لدنك وليًا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيًا.. مريم /٦) .. وأمر مبالغته في التضرع المفاد من عدم مخاطبة الملك المبشِّر له بيحيى والمنادِي له، بملابسة أنه المباشر بما يعد

(١) ينظر تفسير أبو السعود ٢/٣١ مجلد ٢.
(٢) نظم الدرر ٤/٥٢٠.

1 / 112