Maʿālim uṣūl al-fiqh ʿinda ahl al-Sunna waʾl-jamāʿa
معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة
Publisher
دار ابن الجوزي
Edition
الطبعة الخامسة
Publication Year
١٤٢٧ هـ
Regions
•Saudi Arabia
أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣]، وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩، يونس: ٥٢]، وأهل السنة على إثبات باء السببية، ويقولون: إن الله يخلق الأشياء بالأسباب لا عندها (١)، لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ٩- ١١] .
ومعلوم أن مجرد حصول الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مرسلة بإذن الله، ولا بد من انتفاء الموانع، فلا بد إذن من تمام الشروط وزوال الموانع مع تحصيل الأسباب، وكل ذلك بقضاء الله وقدره (٢) .
- القاعدة الثالثة: أن الله سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا لغير مصلحة وحكمة؛ بل أفعاله ﷾ صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل (٣) .
(١) مذهب نفاة الأسباب – أتباع جهم – أن الله يفعل عندها لا بها، ومن ذلك تعريف كثير من الأصوليين السبب بأنه: ما يوجد الحكم عنده لا به، قال ابن تيمية: "ومن قال: إنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن...." "مجموع الفتاوى" (٣/١١٢)، وانظر منه (٨/٤٨٦، ٤٨٧)، وانظر: "المستصفى" (١١٢) .
(٢) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣/١١٢، ٨/٧٠) .
(٣) الناس في الحكمة على أقوال: منهم من نفوها فقالوا: إن الله لا يخلق شيئًا بحكمة ولا يأمر بشيء لحكمة، وإنما أثبتوا محض الإرادة، فيجوز أن يأمر الله بالشرك به وينهى عن عبادته وحده، ويترتب عند هؤلاء على فعل الله حكم لكنها غير مقصودة بل هي مترتبة على الفعل وحاصلة عقيبه، وهذا قول الأشاعرة. ومنهم من أثبت لله الحكمة، فقالوا: قد قام الدليل على أنه تعالى حكيم فلا يصح أن يفعل فعلًا لا فائدة فيه؛ لأن من يفعل فعلًا لا لغرض يعد عابثًا، والله تعالى منزه عن العبث فأوجبوا على الله بمقتضى هذه الحكمة التي أثبتوها أمورًا ومنعوا أمورًا لمخالفتها لمقتضى الحكمة، فمما أوجبوا على الله فعل الصلاح ورعاية مصالح العباد، وقالوا: إن هذه الحكمة تعود إلى الغير ولا يعود إليه منها شيء، وهي صفة مخلوقة منفصلة عنه سبحانه، وهذا هو مذهب المعتزلة الذين حكموا عقولهم فسلبوا من الخالق سبحانه صفات الكمال وعموم قدرته وشبهوه بخلقه. ومذهب السلف هو إثبات الحكمة في أفعاله سبحانه لأنه حكيم منزه عن العبث، ولكمال قدرته وحكمته ورحمته، فإن هذه الحكمة منها ما يعود إليه ويحبه ويرضاه، ومنها ما يعود إلى عباده، وهي صفة لله غير مخلوقة. انظر: "مجموع الفتاوى" (٨/٨٨ – ٩٣)، "والحكمة والتعليل في أفعال الله" (٥٠ – ٥٣) .
1 / 198