وأما أمره لنا فهو من دين الله الذي أمرنا به" (١) .
الأصل الثاني: أن أفعاله ﷺ تدل على حكم هذه الأفعال بالنسبة له ﷺ، ففعل النبي ﷺ يدل على إباحته في أدنى الدرجات، وقد يدل على الوجوب والاستحباب، ولا يدل على الكراهة فإنه ﷺ لا يفعل المكروه ليبين الجواز (٢)، إذ يحصل التأسي به في أفعاله؛ بل فعله لشيء ينفي كراهته (٣) .
الأصل الثالث: أن العلماء قد اختلفوا في أمور فعلها ﷺ هل هي من خصائصه أم للأمة أن تفعلها (٤)؟ وذلك مثل تركه للصلاة على الغال (٥)، ودخوله في الصلاة إمامًا بعد أن صلى بالناس غيره (٦)، وكذلك فإن العلماء اختلفوا في بعض أفعاله هل الاقتداء بها يكون في نوع الفعل أو في جنسه؟ لأنه ﷺ قد يفعل الفعل لمعنى يعم ذلك النوع وغيره.
مثال ذلك: احتجامه ﷺ (٧)، فإن ذلك كان لحاجته إلى إخراج الدم الفاسد، ثم التأسي به هل هو مخصوص بالحجامة، أو المقصود إخراج الدم على الوجه النافع؟
ومن ذلك أن الغالب عليه ﷺ وعلى أصحابه لبس الرداء والإزار، فهل الأفضل لكل أحد أن يرتدي ويأتزر ولو مع القميص، أو الأفضل أن يلبس مع القميص السراويل من غير حاجة إلى الإزار والرداء؟
فهذه مواضع تتعلق بمسألة الاقتداء به ﷺ في أفعاله؛ وهي بحاجة إلى اجتهاد ونظر واستدلال وفقه.
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٢/٣٢١) .
(٢) فعله ﷺ للشيء ينفي الكراهة حيث لا معارض له وإلا فقد يفعل شيئًا، ثم يفعل خلافه لبيان الجواز كوضوئه ﷺ مرة ومرتين. قال أهل العلم: إن ذلك كان أفضل في حقه من التثليث لبيان التشريع. انظر: "شرح الكوكب المنير" (٢/١٩٢ – ١٩٤) .
(٣) انظر: "المسودة" (١٨٩ – ١٩٠، ١٩١)، و"شرح الكوكب المنير" (٢/١٩٢) .
(٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢/٣٢٤ – ٣٣١) .
(٥) انظر في ذلك ما رواه أبو داود في سننه (٣/٦٨) برقم (٢٧١٠)، وابن ماجه (٢/٩٥٠) برقم (٢٨٤٨)، والنسائي (٤/٦٤)، والحديث صححه محقق زاد المعاد. انظر: "زاد المعاد" (٣/١٠٨) .
(٦) انظر: "صحيح البخاري" (٢/١٧٢) برقم (٦٨٧) .
(٧) انظر المصدر السابق (١٠/١٥٠) برقم (٥٦٩٦) .