Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
قالوا: فلما جاز إجراء ما يستحيل عليه معناه بالنظر إلى أصله وهو حكيم لم يصح إجراء ما صح معناه فيه، وهو قولنا عتيق دل على أن مسألة الاسماء إنما تجرى عليه لمكان الإذن منه تعالى، وأجيب بأن ما ذكرتموه مما قام الدليل على امتناعه عليه تعالى إما لعدم صحة المعنى، أو لدليل يمنع فيه خاصة، ونحن إنما قلنا بجواز الإطلاق مع عدم المانع، أما لفظ متيقن فإنما امتنع لأن اليقين هو العلم الحاصل عن كثرة الدلائل والأمارات وترادفها حتى حصل الجزم، وذلك مستحيل في حق الله تعالى، وأما الفقيه فلأن الفقه عبارة عن فهم الشيء بعد غموضه والله لا تخفى عليه خافية، وكذلك التبيين فإنه عبارة عن الظهور بعد الخفاء، وأما منع عتيق وجواز حكيم فقد بينا أنه يشترط في الإطلاق عدم المانع، وهنا قد انعقد الإجماع في حكيم أنه يجوز، وفي عتيق أنه ممتنع، على أنا لا نسلم صحة المعنى في عتيق؛ لأنه يفيد أن الزمان قد أثر فيه، ولذلك يقال: تمر عتيق لأن الزمان قد أثر فيه، ولا يقال في السماء أنها عتيقة إذ لم يؤثر فيها الزمان، فعلى هذا كان المنع لعدم صحة المعنى؛ إذ لا يؤثر الزمان في الباري تعالى شأنه وعز سلطانه، وأما حكيم فالمراد به أنه لا يفعل إلا الصواب والحكمة، أو لا يختار القبيح وإن كان في الأصل كما ذكرتم فالآن قد صار حقيقة فيما ذكر، ولذلك إذا أطلق فقيل: إنه تعالى حكيم، أو قيل: رجل حكيم لم يعقل المعنى الأصلي الذي هو المنع، وإنما يعقل أنما يصدر عنه حكمة وصواب، وهذا المعنى صحيح في الباري تعالى، بل واجب واللفظ حقيقة فيه، فصح وصفه بأنه حكيم، مع أنه يلزمهم أن يمتنع وصف الباري تعالى بما يحق له من أوصاف الكمال ممن عرفه بأدلة العقل ولم تبلغه الرسل والعقل يحكم بحسن ذلك ولا يمنع منه. ذكر هذا في الأساس، وفيه نظر لأنهم يلتزمون هذا إذ هو من محل النزاع، مع أنه مبني على جواز انفراد التكليف العقلي عن الشرعي وفيه نزاع، وإذا كانوا يلتزمونه أو يتنازعون فيما بني عليه، فلا يصلح للرد عليهم به لأنه كرد مذهبهم من دون مستند، بل لأنه مذهبهم. والله أعلم.
وقال (الغزالي): يجوز إطلاق الصفات عليه تعالى وإن لم يرد بها إذن دون الاسماء فلا يجوز إلا بإذن؛ لأن وضع الاسم في حق الواحد منا سوء أدب وفي حق الباري تعالى أولى، وأما الصفات المختلفة فهي جائزة في حقنا، فكذلك في حق الباري تعالى.
ولقائل أن يقول: إنما يكون سوء أدب مع قيام المانع كتضمن الاسم القبح، أو حصول الضرر كما مر، ثم إنه يلزمه في الصفات مثله إذ لا فارق، فيجب إما توقفها على الإذن جميعا، أو جوازهما جميعا من دونه؛ إذ قد أبطلنا الفارق الذي أبداه مع أنه يلزمه عليه قبح وضع الآباء أسماء الأبناء وتركهم بلا أسماء حتى يبلغوا رشدهم، ولا قائل به، بل غالب وضع أسماء المسميات كلها من غيرها، بل لو قيل: إن الاسماء كلها بوضع غير المسمى في حق المخلوقات لم يبعد.
Page 286