Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq
موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
وسقط في يد إدارة الشركة وصبرت أياما لعل الشيخ يطلب منها مرتبه، ولكنه اتصل بالبنا في الإسماعيلية فأوصاه بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال، وحجته مقبولة ولا شيء لهم عنده، لجأت الشركة إلى الإدارة، واتصل مديرها بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور ومعه قوته، وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير، وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة فليحضر إلي، وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب منه أن يستجيب لمطالب المدير، ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية، فأجاب بمثل ما تقدم، وقال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فانصرف، ولكنك إذا أردت استخدام القوة، فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها. ووصل النبأ إلى العمال، فتركوا العمل في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور العاقبة فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية، واتصل بالإمام البنا للتفاهم على الحل، يقول البنا: (ولكني اعتذرت له، بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل تجرد من أي عاطفة فيها معنى الغيرة الوطنية.
قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصا يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحدا كهذا الشيخ، الذي ينفذ علينا هنا أحكاما عسكرية كأنه جنرال تماما.
فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ وأن الشركة هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم، وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم وتقتر من أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات، ووجوب قناعتها باليسير من الربح، واتفقنا أخيرا على أن يبقى الأستاذ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسميا من الإخوان أن يحل محله واحد من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتعني بمسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ شافعي أحمد واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء مجراها ومرساها" (¬1).
المسلم عالي الهمة لا يطلب مالا من أحد وإنما يعتز بنفسه، ويسعى لنشر دعوة الإسلام في كل مكان.
الإيمان وعلو الهمة
يقول القرضاوي: الإيمان هو قوة الخلق، وخلق القوة، وروح الحياة، وحياة الروح، وسر العالم، وعالم الأسرار، وجمال الدنيا، ودنيا الجمال، نور الطريق، وطريق النور.
الإيمان هو واحة المسافر ونجم الملاح، ودليل الحيران، وعدة الحارب، ورفيق الغريب، وأنيس المستوحش، ولجام القوي، وقوة الضعيف.
الإيمان هو مصنع البطولات، وتحقق المعجزات، ومفتاح المغاليق، ومنارة الهدى في كل طريق (¬2).
...
Page 189