Mawsūʿat al-milal waʾl-adyān
موسوعة الملل والأديان
Publisher
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
المبحث الثالث: الاتحاد: (التجسد):
الاتحاد لدى النصارى المراد به هو: أن الله ﵎ اتخذ جسد المسيح له صورة، وحلَّ بين الناس بصورة إنسان هو المسيح، تعالى الله عما يقولون.
أدلتهم على دعواهم في الاتحاد (التجسد):
النصارى يزعمون أن لهم أدلة على هذه الدعوى، ومن أظهر ما يستدلون به على ذلك ما ورد في إنجيل يوحنا في بدايته (١/ ١ - ١٤) من قول صاحب الإنجيل: (في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله ... والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا).
ومن أدلتهم أيضًا ما ورد في إنجيل متى (١/ ٢٣) من البشارة بالمسيح وهو قولهم: (وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: (هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه) عمانوئيل (الذي تفسيره الله معنا).
ويستدلون أيضًا بقول بولس في رسالته الأولى لتيموثاوس (٣/ ١٦): (عظيم هو سر التقوى. الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح).
كما يستدلون أيضًا بما ورد في الرسالة إلى العبرانيين (١/ ٢):
(الذي به أيضًا عمل العالمين الذي هو بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته).
فهذا أهم ما يستدلون به ويعولون عليه في هذه القضية الخطيرة والعقيدة العجيبة.
الرد عليهم:
يُرد على النصارى في هذه العقيدة الباطلة من عدة أوجه:
أولًا: هذه العقيدة من المستحيل عقلًا قبولها؛ لأنها تعني أن الله ﷻ، وتقدست أسماؤه قد تقمص هيئة النطفة أو هيئة الجنين، ودخل في بطن مريم، وعاش في تلك الأوحال والأقذار فترة من الزمن، يرتضع الدم ثم اللبن، وتمرُّ عليه أحوال وأطوار الجنين والوضع ثم الطفولة ومستلزماتها.
فهل في الأقوال والتصورات أشد بطلانًا وأقبح تصورًا من هذه العقيدة وهذه المقولة؟ إن الإنسان السوي ليعجز عن التعبير عن قباحة مثل هذه اللوازم لهذه المقولة الفاسدة.
ثم يقال لهم: من الذي كان يدير العالم ويدبر شؤونه، وربه وسيده ومدبره في زعمهم الفاسد في بطن امرأة يتقلب بين الفرث والدم؟ فهل يعقل النصارى ما يقولون ويزعمون، أم لا يعقلون؟
ثانيًا: إن دعوى التجسد لديهم بما فيها من اللوازم الفاسدة، والتصورات القبيحة المهينة في حق الله ﷻ، وتقدست أسماؤه إنما هي مبررات للصلب ثم الفداء في زعمهم - وسيأتي بيان بطلان ذلك كله، وأنها من مخترعات النصارى التي لا دليل عليها - فعلى ذلك فما بني على باطل فهو باطل أيضًا.
ثالثًا: ما يستندون إليه مما ورد في إنجيل يوحنا فقد سبق بيان عدم الثقة به؛ لعدم وجود إسناد يثبت صحة ذلك الإنجيل، وأنه أقل الكتب نصيبًا من الصحة، بل صرَّح الكثير من النصارى- كما سبق بيانه- بأنه إنجيل مزور، كما أن النص المذكور منه هو نص مضطرب لفظًا ومعنى، ولا يتضح مدلوله، إنما ينبئ عن عقيدة مهزوزة مضطربة، ليست واضحة المعالم لدى قائله، فقوله: (في البدء كان الكلمة). ما هو الذي كان الكلمة؟ إذا كان الله تعالى، فهل الله كلمة؟ هذا ما يبدو من سياق العبارة حيث يضيف (وكان الكلمة الله) فهل في عقيدة النصارى أن الله كلمة؟
ذلك باطل ولا يقول به النصارى، كما أن معنى ذلك أن كلمة أنتجت كلمة، والكلمة الأولى هي الله، والكلمة الثانية هي المسيح، ولا يقول النصارى بذلك، فهي عبارة مضطربة لا معنى لها في عقيدة النصارى.
ثم ما المراد بالبدء؟ هل يعنى ذلك بداية الله، أم بداية الكلمة التي يزعمون أنها المسيح؟ كلاهما باطل في عقيدة النصارى، فهم يعتقدون أن الله أزلي والكلمة معه أزلية، وأن الله لم يسبق المسيح في الوجود، فهذه أيضًا لا مدلول ولا معنى لها في عقيدة النصارى، بل هي تناقض عقيدتهم.
1 / 301