282

على المسير ، فأتى إليه ودخل عليه مسلما ، ثم قال له : جعلت فداك! إنه قد شاع الخبر في الناس ، وارجفوا بأنك سائر الى العراق ، فبين لي ما أنت عليه؟

فقال : «نعم ، قد أزمعت على ذلك في أيامي هذه إن شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» ، فقال ابن عباس : اعيذك بالله ، من ذلك فإنك إن سرت إلى قوم قتلوا أميرهم ، وضبطوا بلادهم ، واتقوا عدوهم ، ففي مسيرك إليهم لعمري الرشاد والسداد ، وإن سرت إلى قوم دعوك إليهم ، وأميرهم قاهر لهم ، وعمالهم يجبون بلادهم ، فإنما دعوك إلى الحرب والقتال ، وأنت تعلم أنه بلد قد قتل فيه أبوك ؛ واغتيل فيه أخوك ؛ وقتل فيه ابن عمك ، وقد بايعه أهله ، وعبيد الله في البلد يفرض ويعطي ، والناس اليوم عبيد الدينار والدرهم ، فلا آمن عليك أن تقتل ، فاتق الله والزم هذا الحرم ، فإن كنت على حال لا بد أن تشخص ، فصر إلى اليمن فإن بها حصونا لك ، وشيعة لأبيك ، فتكون منقطعا عن الناس.

فقال الحسين : «لا بد من العراق» ، قال : فإن عصيتني فلا تخرج أهلك ونساءك ، فيقال : إن دم عثمان عندك وعند أبيك ، فو الله ، ما آمن أن تقتل ونساؤك ينظرن كما قتل عثمان.

فقال الحسين : «والله يا ابن عم! لئن أقتل بالعراق أحب إلي من أن اقتل بمكة ، وما قضى الله فهو كائن ، ومع ذلك أستخير الله وأنظر ما يكون».

وأقبل إليه عبد الله بن مطيع العدوي ، فقال : جعلت فداك ، يا ابن رسول الله! لا تخرج إلى العراق فإن حرمتك من الله حرمة ، وقرابتك من رسول الله قرابة ، وقد قتل ابن عمك بالكوفة ، وإن بني امية إن قتلوك لم يرتدعوا عن حرمة الله أن ينتهكوها ، ولم يهابوا أحدا بعدك أن يقتلوه ، فالله ، الله ، أن تفجعنا بنفسك ، فلم يلتفت الحسين إلى كلامه.

Page 310