205

Muqawwimāt al-dāʿiya al-nājiḥ fī ḍawʾ al-kitāb waʾl-sunna

مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة

Publisher

مطبعة سفير

Publisher Location

الرياض

وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول ﷺ إلى قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١)،فقام مذعورًا فوضع يده على فم رسول الله ﷺ يقول: أنشدك الله والرحم، وطلب منه أن يكفّ عنه، فرجع إلى قومه مسرعًا كأن الصواعق ستلاحقه، واقترح على قريش أن تترك محمدًا وشأنه، وأخذ يرغبهم في ذلك (٢).
لقد تخّير رسول الله ﷺ بفضل الله - تعالى -، ثم بحكمته العظيمة هذه الآيات من الوحي، ليعرف عتبة حقيقة الرسالة والرسول، وأن محمدًا ﷺ يحمل كتابًا من الخالق إلى خلقه، يهديهم من الضلال، وينقذهم من الخبال، ومحمد ﷺ قبل غيره مكلف بتصديقه والعمل به، والوقوف عند أحكامه، فإذا كان الله ﷿ يأمر الناس بالاستقامة على أمره، فمحمد ﷺ أولى الناس بذلك، وهو لا يطلب ملكًا ولا مالًا ولا جاهًا، لقد مكّنه الله من هذا كله، فعفّ عنه وترفّع أن يمدّ يديه إلى هذا الحطام الفاني؛ لأنه صادق في دعوته، مخلص لربه، ﷺ (٣).
وهذا موقف من أعظم مواقف الصبر والحكمة التي أوتيها النبي ﷺ، فهو قد ثبت وصدق في دعوته، ولم يرد مالًا، ولا جاهًا، ولا مُلكًا، ولا نكاحًا، من أجل أن يتخلّى عن دعوته، وقد اختار الكلام المناسب في

(١) سورة فصلت، الآية: ١٣.
(٢) انظر: البداية والنهاية، ٣/ ٦٢، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم السيرة، ص١٥٨، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١١٤، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٠٢، وتفسير ابن كثير، ٤/ ٦٢.
(٣) انظر: فقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١١٣.

1 / 212