يقابلها من المفاسد، ورسم ﷺ لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولا استخفافًا، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه - كما تقدّم - وفي رواية الإمام أحمد: فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (١).
فقد أثّر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٢).
الصورة الرابعة: مع معاوية بن الحكم:
عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله ﷺ.
قلت: يا رسول الله! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله
(١) أخرجه ابن ماجه، برقم ٥٢٩، وأحمد، تقدم تخريجه.
(٢) انظر: فتح الباري، ١/ ٣٢٥، وشرح النووي، ٣/ ١٩١، وعون المعبود شرح سنن أبي داود،
٢/ ٣٩، وتحفة الأحوذي، شرح سنن الترمذي، ١/ ٤٥٧.
(٣) ما كهرني: أي ما قهرني ولا نهرني. انظر: شرح النووي، ٥/ ٢٠.