170

Maqālāt mawqiʿ al-Durar al-Saniyya

مقالات موقع الدرر السنية

9 - هذه هي الشام .. بستان الروح .. والفخر بها للمادح لا الممدوح .. نغار من الطيور التي تحوم سماءها .. لا يطلب منها تقديم ولاء ولا اصطناع ود .. ونغتاظ من الأيدي التي لم تزل تهدم من مجدها صروحا لا تسترد .. ونؤمل في صبح يطوي الليل الخانق .. وتتنفس له الأزهار .. وتشرق به شمس الهناء والخلاص ..

ويا ساكني الشام كلها .. من حلب المتنبي وحمص ابن الوليد .. إلى اللاذقية وحماة النواعير .. ومن أذرعات إلى جسر الشغور .. استلهموا مجدكم من تلك الزوايا .. وخذوا عزمكم من تلك الطرقات .. وجدوا في سبيل تطردون بها الأسد .. وذوي الأنياب حوله .. وتنهون حكم الغاب .. واغسلوا عن دمشق -أرجوكم- قذى علق بثيابها .. وامسحوا غبارا استطال على لمتها .. واكتبوا لكم في سفر الخلود ثورة .. يترحم لها القادمون على شهدائكم .. ويكبرون بها مسعاكم .. وتضج لها مساجد الدنيا بالتكبير .. ثورة يبرد لها رفات الأموات في أرضكم .. وتعود من أجلها الطيور المهاجرة .. وتطلبون بها الثأر ممن ظلمكم .. ثورة تبترون بها اليد التي تساهم في تضييق أرزاقكم لتتبعوها .. وتقطعون بها الوتين الذي يتاجر بعداء إسرائيل وهو لم ينلها برصاصة .. أراضيكم كلها شام .. وما لرقاع من أرض الله فخر أثيل بمجد الإسلام كفخركم .. رسول الله زار أرضكم .. وما زار العراق ولا مصر ولا اليمن .. ولكم في قلوب العالمين مقام علي ومؤتمن .. وكثير من الصحابة دخلوا الشام منهم: أبو عبيدة، وسعيد بن زيد، ومؤذن رسول الله بلال، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، وسيف الله: خالد بن الوليد، وابن عم رسول الله: الفضل بن عباس .. قال الوليد بن مسلم: "دخلت الشام عشرة آلاف عين رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم". ومئات الكتب التي نقرؤها ابتدأت سطورها في دواوينكم .. الطبراني وابن عساكر .. وابن الصلاح والذهبي .. والنووي وابن كثير .. وابن رجب وابن القيم .. والمزي وابن قدامة .. وسواهم كثير .. درسوا بحلقاتكم .. وكتبوا بمدادكم .. وتنفسوا هواكم .. ولولا دمشق ما كانوا وما كانت الأندلس .. ولا زهت ببني العباس بغداد .. ولا كانت فتوح الإسلام العظام ..

10 - وفي ارتباط أرض الشام بالحرية وبعث العزم يقول العالم ابن تيمية: "ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء .. وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي المسلمين على غزو التتار .. وأمري لهم بلزوم دمشق .. ونهيي لهم عن الفرار".

والطنطاوي الخبير بها وبأهلها يقول: "وأهل الشام كالماء .. لهم في الرضا رقته وسيلانه .. وفي الغضب شدته وطغيانه .. بل ربما كان لهم من البركان فورانه وثورانه".

ونزار القباني يفخر بدمشق وهو لا ينفك عن حزنه فيقول:

يا دمشق البسي دموعي سوارا وتمني فكل شيء يهون

وضعي طرحة العروس لأجلي إن مهر المناضلات ثمين

رضي الله والرسول عن الشام فنصر آت وفتح مبين

استردت أيامها بك بدر واستعادت شبابها حطين

بك عزت قريش بعد هوان وتلاقت قبائل وبطون

صدق السيف وعده يا بلادي فالسياسات كلها أفيون

صدق السيف حاكما وحكيما وحده السيف يا دمشق اليقين

علمينا فقه العروبة يا شام فأنت البيان والتبيين

علمينا الأفعال قد ذبحتنا أحرف الجر والكلام العجين

علمينا قراءة البرق والرعد فنصف اللغات وحل وطين

أوقدي النار فالحديث طويل وطويل لمن نحب الحنين

واركبي الشمس يا دمشق حصانا ولك الله حارس وأمين

ومرت الأيام .. ومضى الرفاق الثلاثة .. وبقيت الشام .. تنقل صورها الشاشات .. وتتابع ثورتها الأقلام .. وعشاق بعيدون هناك في كل أنحاء العالم يردون صدى الصوت الذي ينادي برفع الظلم .. ويحركون أقدامهم في دروب الحرية .. يعتقدون أن ليس ثم بلد أولى بالثورة من بلادهم .. ويمدون أيديهم نحو السماء يصيحون: يا رب .. يا رب .. يا رب .. ومطعمهم ثمار الشام .. ومشربهم مياه الشام .. وملبسهم غرام الشام .. وغذوا بالشام .. فعسى أن يستجاب لهم ..

Page 171