139

Maqālāt mawqiʿ al-Durar al-Saniyya

مقالات موقع الدرر السنية

2 - أن الاستشارة العامة يلزم معها المخالطة بلا ريب، وذلك أن الاستشارة لا بد أن تصدر عن سبر للموضوع المستشار به، ويلزم من ذلك من سفر داخلي وخارجي ولقاءات خاصة وعامة قدرا لا يحصى، وإذا كانت المسئولة عن تعليم النساء في البلاد وهي على نساء، ينشر الإعلام لها أسفارا داخلية وخارجية مع رجال، هذا وهي على شأن نسائي خاص، فلم يتم ضبطه شرعا، فكيف يضبط ما هو أعم منه، واختلاط المرأة بالرجال في العمل والتعليم محرم باتفاق المذاهب.

وإنما جعلت شهادة الرجل بشهادة إمرأتين لأنها لا تختلط بميادين الرجال فما لم تخالطه تنساه لو رأته مرة، بخلاف حال الرجل.

خامسا: أما الاحتجاج باستشارة النبي لأم سلمة على تنصيبها للشورى فقياس مع الفارق، فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما استشار زوجته في استجابة الناس له لا في أصل رأيه ثم إنها في خدرها وأعطته رأيها لنفسه، ولم ينصبها لعموم المسلمين، ففي البخاري قال عمر: ((دخل النبي على أم سلمة)) أي وهي في خيمتها وخيمته، ولو صح التعميم لكان كل فعل يفعله النبي مع أزواجه جاز أن يفعله الرجال مع النساء، ولجاز أن يصنع مضمار سباق للرجال والنساء لأن النبي سابق عائشة، وقد كان النبي في حضر ونساؤه في حضره أكثر، وهو في حال إقامته أكثر من حال سفره، ولم يعرف عنه أنه نصب امرأة للشورى والله قد أنزل عليه: {وشاورهم في الأمر} يعني أصحاب الأمر العام فوقع منه ذلك على الرجال، وأما قضايا الأعيان العارضة من أزواجه وشبههم فهذا يقع ولا بأس، والآية نزلت وأقرب الناس إليه أزواجه وكل يوم عند واحدة منهن.

ثم إن أم سلمة وأمهات المؤمنين على شيء من الحجاب وتشديد الله عليهن حتى إنه يحرم عليهن بروز أشخاصهن بلا حاجة، أكثر من غيرهن، وأخذ حال وقعت من النبي مع زوجة له، ثم قطع الواقعة عن سياقها وصفة المستشار والمستشير وإنزالها على كل صورة، ومع كل أحد، ليس من موارد الاستنباط الصحيح، وهو كقطع عرجون نخل وغرسه في الأرض لينبت نخلا لأنه مقطوع من نخل، وكيف ينبت وقد نزع من سياقه، وغرس في غير أصله.

وأما استشارة عمر لحفصه فهي ابنته فقال: ((كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا)).

وأما ما جاء عن عمر أنه يستشير النساء بإطلاق، فرواه البيهقي بإسناد لا يصح، فمحمد بن سيرين لم يدرك عمربن الخطاب.

سادسا: من قرأ ما نشر في وسائل الإعلام من مقالات وفتاوى وجد أن تعليل تنصيب المرأة في الشورى والبلديات (إنصافا للمرأة) (ومنعا لتهميشها) والمعروف عقلا وشرعا أن الاستشارة تبنى لمصلحة المستشير والعامة وليس لمصلحة المستشار ولا يجوز أن تبنى مصلحة الشورى لدفع تهميش المستشار، فالاستشارة العامة ليست لجلب مصلحة فرد أو جنس، وهذا يكون في الحقوق الخاصة وليس في الأمور العامة، وهذا يدل على أن النفس في تنصيب عضوة شورى نظر إليه من جهة غرس مباديء فكرية ورمزية مجردة.

سابعا: أن السياسة العقلية في الاستجابة لضغوظ خارجية تجزم أن من الخطأ أن تستجيب لضغط أو إكراه ممن ترى أن قائمة ضغوطه لا تنتهي إلا بانتهاء شرعتك، فالغرب لن يوقف ناقوس إزعاجه للتنازلات، وإنما هو يبدأ مع كل دولة بحسب سقفها الحالي، فالضغوط التي تمارس على مصر والشام في السياسة والأخلاق هي على ذات المقدار على هذه البلاد ولكن تختلف حدود السقف بينها.

Page 140