111

Maqālāt mawqiʿ al-Durar al-Saniyya

مقالات موقع الدرر السنية

وقبل الحديث عن مدى شغل العبد في الإسلام بمهام عبوديته وتناقض هذه المهام مع مصطلح الحرية الرائج الآن على حساب العبودية، استعرض بعض ما يقدم على أنه نماذج من الدعوة إلى الحرية في القرآن:

فمن ذلك الآيات التي تقرر منح العبد خاصية المشيئة والإرادة، كقوله تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وقوله سبحانه: {لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وقوله: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} وكقوله سبحانه: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد}

وغير ذلك من الآيات التي تثبت للعبد قدرة واختيارا، لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.

وحقيقة هذه الآيات أنها لا تساعد أبدا فيما يريدونه منها من إقرار مبدأ الحرية لأنها لا تثبت وصف الكفر لمن اختار غير الإيمان وحسب، بل ترتب على الاختيار الخاطئ عقابا أخرويا مغلظا.

فالآية الأولى، وهي أكثر الآيات انتشارا في هذا السياق قلما يتلونها كاملة لأن تلاوتها كاملة يضيع وجه الاستدلال منها: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا} كما أن الآية ليس فيها نفي للعقوبة الدنيوية عمن انتقل إلى الكفر بعد الإسلام.

أما قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} فقد وقعت في سياق تفصيلي لحوار يدور بين اهل النار وأهل اليمين، يدل على أن الكافرين لا يحاسبون على كفرهم فقط بل على تركهم لفرائض الإسلام،: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} [المدثر: 37 - 47].

ولا أدري كيف يسوغ لمؤمن أن يزعم أن الإنسان حر في اختياره وهو يؤمن أن العقاب الأخروي له بالمرصاد؟

وهناك من دعاة الحرية من فهم هذا التناقض فلجأ إلى ما هو أسوأ وهو الجنوح إلى وحدة الأديان وتسميتها كلها إسلاما، وجعل الفارق بينها هو مسألة الاختيار المحض وحسب.

وقد يجيب أحدهم بأن مرادنا أنه حر في اختياره في الدنيا، فلا إكراه في الدين كما قال تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} [البقرة: 256]، وهو جواب لم ينظر صاحبه فيه إلى تفسير السلف للآية وهو: أنها تكليف للمسلمين وذلك بنهيهم عن إكراه من تحت أيديهم من اليهود والنصارى على الإسلام، وليست آية تخيير بين الإسلام وغيره، كما أنها متقدمة على الآيات التي أمرت بقتال المشركين كافة وهو ما يقوي القول بكونها خاصة فيمن تحت أيدي المسلمين من اليهود والنصارى.

Page 111