199

Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad

مقالات إسلامية - مجالس آل محمد

حول الدعوات الزيدية باسم الرضا من آل محمد

بحث مختصر يتكلم عن الدعوات الزيدية باسم الرضا من آل محمد ، وعلاقة أئمة الجعفرية بها .

ملاحظة / البحث انصب أكثره على الإمام الحسين الفخي ( وهو مجتزأ من سيرته ) ، فيفضل مطالعة الترجمة قبل البحث .

http://www.al-majalis.com/forum/viewtopic.php?p=6321#6321

-----------------

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، ورضوانه على الصحابة الراشدين المتقين ، ومن تبعهم بخير وإحسان إلى يوم الدين .

[ مقدمة بحث حول دعوات سادات أهل البيت باسم الرضا من آل محمد (ع) ]

يغلط البعض الكثير من الإخوة الجعفرية ، في تفسير دعوات سادات بني الحسن والحسين (ع) ، باسم الرضا من آل محمد ، فيجعلون هذه الدعوات دعوات إلى أشخاص أئمتهم الإثني عشر ، وعلى أنهم هم المقصودون بالرضا من آل محمد ، أي أن الدعوة لهم وباسمهم وبتصرفهم ، وأن القائم بالدعوة من أبناء عمومتهم كزيد بن علي (ع) إنما كان داعية لإمامة ابن أخيه جعفر الصادق على أنه الرضا من آل محمد ، وكذلك الحسين الفخي وأنه إنما كان يقصد بالرضا من آل محمد ابن عمه موسى الكاظم ، لا إمامة نفسه ، وهذا وهم ، وإن كان الجعفرية لم يقولوا بهذا إلا في حق زيد بن علي ، ولكن السيد حسين المدرسي يحاول في كتابه التاريخ الإسلامي التعميم على جميع أئمة الزيدية ، وهو لم يثبت عن زيد بن علي (ع) فضلا عن أن يثبت على يحيى بن زيد والنفس الزكية والنفس الرضية والحسين الفخي (ع) ، وإنما قلنا أنه وهم ، لأن الحقيقة هو أن هؤلاء السادة خرجوا داعين لإمامة أنفسهم ، وإن دعوا إلى الرضا من آل محمد ، فهم الرضا من آل محمد ، دعا بها زيد بن علي وهو الرضا ، ودعا بها النفس الزكية وهو الرضا ، ودعا بها الحسين الفخي (ع) كما مر بك في سيرته وهو الرضا ، وسنخص الكلام هنا على الإمام الحسين الفخي (ع) - صاحب الترجمة - ، وما مدى أبعاد دعوته إلى الرضا من آل محمد ، ومن هو الرضا الذي يقصده ، ومناقشة - كما وعدنا - ما رواه الجعفرية حول عدم مبايعة الكاظم له ، ثم بيان وجه الحق في هذا المقال .

[الدعوة إلى الرضا من آل محمد عليهم وعلى جدهم أفضل الصلاة والتسليم :]

الدعوة إلى الرضا من آل محمد (ع) ، كان شعارا توارثه أئمة أهل البيت (ع) ، يتعالمون به دعواتهم بالإمامة ، دعواتهم الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر ، القائمة بما كان يقوم به جدهم رسول الله (ص) ، قدر المستطاع مع إبلاء الجهد في تحقيق تلك الأهداف السامية .

[ لماذا تقوم الجعفرية باستقطاب دعوات سادات بني الحسن والحسين على أنها دعوات لأئمتهم ]

وهذا تساؤل يجب أن يسأل عنه كل ذو لب سليم ، ونحن نجيب عليه باختصار غير مخل إن شاء الله تعالى ، فنقول : أن الجعفرية أدركت ضعف جانبها ، ومدى دهاء وعظمة أن يكون هؤلاء السادة من بني فاطمة أمثال زيد بن علي وابنه يحيى ومحمد النفس الزكية وإبراهيم النفس الرضية والحسين الفخي ، الذين دانت الأمة جمعا بفضلهم وتقدمهم على أهل أعصارهم ، ومدى عبادتهم وحسن مذاهبهم ، مدى دهاء وعظمة أن يكون هؤلاء وأمثالهم على جهل بأئمة أزمانهم المعصومين الإثني عشر ، فالدعوة إلى الرضا من آل محمد من زيد بن علي (ع) ، إلى إمامة نفسه ، تعني جهل الإمام زيد (ع) بإمامة ابن أخيه جعفر الصادق ، تعني جهل الإمام زيد (ع) بالنص الإثني عشري برمته ، والإمام زيد هو من هو في القرب من بيت المعصومين فأبوه زين العابدين رابع الإثني عشر ، وأخوه الباقر خامس الإثني عشر ، وابن أخيه جعفر الصادق سادس الإثني عشر ، فادعاء زيد الإمامة لنفسه ، تضعف معرفته بالنص على هؤلاء الأئمة بأسمائهم وأعدادهم ، وهذا يكون على حجة عظمى عندما يكون أبناء الأئمة لا يعلمون أئمة أخوتهم وأبناء إخوتهم الإمامة الربانية النصية ، وأمثال هذا المثال كثير لدى الجعفرية ، وفيه فليتأمل الباحث ، نعم ! والدعوة إلى الرضا من آل محمد من محمد بن عبدالله النفس الزكية (ع) ، إلى إمامة نفسه ، تعني جهل النفس الزكية بإمامة ابن عمه جعفر الصادق (ع) ، تعني جهل النفس الزكية (ع) بالنص الإثني عشري برمته ، والإمام محمد بن عبدالله المحض (ع) معروف بألمعيته وعلو شأنه في العلم والورع والتدين ، والقرب من صالحي أهل البيت (ع) ، هذا وقد حشر الجعفرية بعض الأدلة في الاستدلال على دعوة الإمام زيد بن علي (ع) إلى الرضا من آل محمد قاصدا بالرضا ابن أخيه ، لا نفسه ، وهي باطلة قطعا ، وليس هذا المختصر محل نقاش وإثبات بطلانها ، ومع ذلك فإن الجعفرية وإن اجتهدوا في غمط زيد بن علي (ع) إمامته ، فإنهم لن يستطيعوا استجلاب أو تحوير أو تبديل أدلة ادعاء النفس الزكية (ع) [ تلميذ عمه زيد بن علي ، وأحد المشاركين معه في ثورته ] للإمامة باسم الرضا من آل محمد ، قاصدا نفسه بالرضا ، لا غيرها ، وهذا الحدث مما يعلم بالضرورة ، لا ينكره إلا مباهت ، وأكد عليه السيد الخوئي في معجمه ، وجعله من الأمور التي لا خلاف حولها ، فإن أراد الجعفرية إسقاط شناعة جهل الإمام زيد بن علي (ع) بإمامة ابن أخيه الصادق (ع) ، فإنه لا يسقط عنهم شناعة جهل النفس الزكية (ع) بإمامة ابن عمه جعفر الصادق (ع) ، ولا يسقط عنهم شناعة جهل النفس التقية يحيى بن عبدالله (ع) بإمامة ابن عمه موسى الكاظم (ع) ، ولا يسقط عنهم شناعة القاسم الرسي (ع) بإمامة ابن عمه محمد الجواد (ع) ، وكذلك الحال مع -صاحب الترجمة - الإمام الحسين الفخي وجهله بإمامة ابن عمه موسى الكاظم (ع) ، وهنا سنذكر أدلة دعاء الحسين الفخي (ع) إلى الرضا من آل محمد ، وأنه كان الرضا ، لا غيره .

[ نظرة سادات أهل البيت في أزمانهم إلى الرضا من آل محمد ومن هو ؟ ]

أ- قال الحافظ مسند أهل الكوفة ومحدثها وفخر الزيدية أبي عبدالله محمد بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد البطحاني بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) في كتابه الجامع :

1- قال محمد بن منصور المرادي - رحمه الله -: سألت أحمد بن عيسى [ بن زيد بن علي زين العابدين ] (ع) ، عن الدعوة هل إلى الرضا من آل محمد ؟ فقال: (( نعم، الدعوة إلى الرضى، ثم قال: الذي يقوم هو الرضى، ولكنها دعوة جامعة )) . هذا وأحمد بني عيسى (ع) ممن عاصر دعوات بني فاطمة ، وهو الذي ما بينه وبين جده زيد بن علي (ع) إلا أب واحد فقط !! .

2- عن محمد بن منصور المرادي - رحمه الله -، قال: قلت لأحمد بن عيسى (ع) : حدثني عبدالله بن موسى [ الجون بن عبدالله المحض بت الحسن المثنى ] أن زيد بن علي، ومحمد بن عبدالله، وحسين بن علي صاحب فخ (ع) : دعوا إلى الرضا ، فقال [ أحمد بن عيسى (ع)]: (( صدق، دعاني الحسين صاحب فخ إلى الرضا ، وهو كان الرضا )) . وهنا تأمل ربط زاهد الآل عبدالله بن موسى الجون (ع) بين دعوة زيد بن علي وعمه النفس الزكية ، ربطها بالدعوة إلى الرضا من آل محمد ، مع العلم أن الأخير كان قد دعا إلى نفسه بلا شك من الجعفرية في ذلك ، ودعوة الإمام زيد بن علي (ع) كانت كدعوة النفس الزكية مثلا بمثل ، وكيف لا تكون الدعوات متشابهة فيما بينهما ، والنفس الزكية هو القائل : ((أما والله لقد أحيا زيد بن علي ، ما اندثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ اعوج، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيد إمام الأئمة )). أيضا تأمل قول أحمد بن عيسى (ع) أن الحسين الفخي (ع) دعاه إلى الرضا ، وأنه كان هو الرضا ، عندها أيقن أن الدعوة باسم الرضا إنما كانت لأشخاص القائمين عليها ، لا لغيرهم كما توهمت الجعفرية .

ب - روى الإمام الناطق بالحق يحيى بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب (ع) .

3- عن الإمام نجم آل الرسول القاسم الرسي (ع) ، قال : حدثني أبي [ إبراهيم طباطبا أحد المبايعين للحسين الفخي (ع) ] ، قال : (( بايعنا الحسين بن علي الفخي (ع) على أنه هو الإمام )) . وهنا تأمل أنه قد ثبتت دعوة الحسين الفخي (ع) إلى الرضا من آل محمد ، فيأتي شيخ الزيدية إبراهيم طباطبا ليؤيد أنه بايع الحسين الفخي على أنه الإمام ، بالرغم من دعوة الحسين (ع) إلى الرضا ، فهو الرضا .

[ بيعة الإمام موسى الكاظم (ع) ، للإمام الحسين الفخي (ع) ]

تحاول الزيدية جاهدة لإبراز أهل البيت (ع) في أزمانهم ، بصورة الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضار بالسهر والحمى ، وليس في محاولاتهم هذه أي تعسف في المقال ، أو بعد عن الصواب ، لأنه الواقع الذي تستنتجه الفطرة السليمة ، قبل المصادر التاريخية والروائية ، وخصوصا في من كان منهم قريبا بعهد رسول الله (ص) ، الحسن بن الحسن وعلي بن الحسين ، الباقر وزيد بن علي ، الصادق والنفس الزكية ، الكاظم والحسين الفخي ، .. إلخ . ولكن الجعفرية للأسف تسعى لخلق فجوات عميقة المدى بين سادات بني الحسن وسادات بني الحسين ، بل بين سادات بني الحسين أنفسهم ، والله المستعان ، ونحن عندما نكتب هذه السطور غير راغبين بإبراز الجعفرية بهذا اللباس ، لأننا نعلم أنهم اليوم لا يحبونه ، وقد لا يدينون الله به ، ولكن أصول مذهبهم تحتم عليهم الاختيار لواحد من اثنين : 1) إما موالاة أئمتهم الإثني عشر ، وصف أئمة الزيدية في مصاف الخارجين عن طاعة الإمام ، المستبدين على حق أعطاه الله له ، ولا موالاة لمن هذه صفته . 2) وإما موالاة أئمتهم الإثني عشر ، وموالاة أئمة الزيدية واعتقاد أن الجميع على صواب ، وهم بهذا سيفتحون على أنفسهم نوافذ عديدة ، تدينهم . والأمر لهم وعليهم ، ويهمنا هنا هو بيان سبب قولنا في الوجه الأول من صف سادات بني الحسن والحسين أئمة الزيدية في عداد الخارجين الباغين المتسلطين ، حتى لا نكون بذلك ممن يرمون بالكلم لا يملكون عليه دليلا ، وذلك أن الجعفرية قد روت أحاديثا شنيعة تصور لنا ما كان بين زيد بن علي (ع) وابن أخيه الصادق ، ولن نذكرها لعدم ثبوت حجيتها عند الجعفرية مع ثبوت روايتهم لها ، ولكنا سنعرج على سيرة ما بين الإمامين الأعظمين محمد النفس الزكية وابن عمه جعفر الصادق عند الجعفرية لأنا سنحتاجها في الكلام حول الفخي والكاظم ، فتصف الجعفرية أنه قد جرى بينهما من الاختلاف ما أدى بالنفس الزكية إلى إرغام الصادق (ع) على البيعة له ، وإن أبى فالسجن ملجأه ، ووصف الباقر للنفس الزكية بأنه الأحول المشؤوم الداعية إلى الباطل ، ثم نعرج على أصل كلامنا وهو علاقة ما بين الكاظم والحسين الفخي (ع) حال طلب البيعة ، فيروي ثقة الجعفرية محمد بن يعقوب الكليني بسنده في كتابه الكافي :

(( لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ ، واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابن عمك - يقصد النفس الزكية - عمك أبا عبدالله - جعفر الصادق - فيخرج مني ما لا أريد ، كما خرج من أبي عبدالله ما لم يكن يريد!!، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمرا فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه والله المستعان، ثم ودعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودعه : يا ابن عم إنك مقتول ، فأجد الضراب ، فإن القوم فساق ، يظهرون إيمانا ويسترون شركا ، وإنا لله وإنا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة )) .

نقد الرواية ، واستنتاجات مهمة حولها :

أولا : هذه الرواية تثبت أن الدعوة من الإمام الحسين الفخي (ع) باسم الرضا من آل محمد هي إنما كانت لشخص الداعي إليها ، وليست إلى غيره ، بدليل : طلب الإمام الحسين (ع) البيعة من موسى الكاظم (ع) . وهذا يفتح للباحث آفاقا واسعة للبحث في ماهية دعوات الرضا من آل محمد .

ثانيا : هنا بمجرد إثبات الجعفرية طلب الحسين الفخي (ع) البيعة من ابن عمه الإمام موسى الكاظم ، انتفت معرفة الإمام الحسين الفخي (ع) ، بإمامة ابن عمه الإمامة النصية الإثني عشرية المتسلسة ، انتفت معرفة الإمام الحسين الفخي بالنص من جده رسول الله (ص) بإمامة أبناء عمومته القريبي الوشيجة والرحم معهم ، وهذا أيضا يفتح للباحث آفاقا واسعة للبحث في ماهية صدق النصوص التي يرويها الجعفرية والدالة على إمامة الإثني عشر ، وأن أفاضل معاصري الأئمة يجهلونها .

ثالثا : أن الإمام الكاظم (ع) يرفض مبايعة الحسين (ع) عندما دعاه ، ويقول له : ((يا ابن عم لا تكلفني ما كلف ابن عمك - يقصد النفس الزكية - عمك أبا عبدالله - جعفر الصادق - فيخرج مني ما لا أريد ، كما خرج من أبي عبدالله ما لم يكن يريد!! )) ، وهنا تتضح لك معالم العلاقات السيئة التي يرسمها الجعفرية بين سادات بني الحسن والحسين ، إذ في هذا الكلام من الكاظم تأكيد لسوء العلاقة بين أبيه الصادق والنفس الزكية ( ونحن ننزههما عن كل ما يشين ، ونروي مساندة الصادق ومبايعته لابن عمه النفس الزكية ) ، وكذلك ننزه الإمام الكاظم (ع) من صدور هذه التهددات عنه في حق الحسين الفخي بقوله : ((فيخرج مني ما لا أريد )) ، ونروي مبايعة الكاظم (ع) للحسين الفخي وحضوره اجتماع سادات بني الحسن (ع) ، وإقراره على ما أقروا عليه .

اعتراض : لو قال جعفري : أن الإمام الحسين الفخي والنفس الزكية ، إنما خرجا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط ، بدون ادعاء للإمامة ، وأنهم معترفين مقرين بإمامة أئمة أزمانهم من الإثني عشر ، وأنهم إنما كانوا دعاة لهم .

جوابه : تماشيا ما كلامك أخي المعترض ، وإغماضا للعيون عن النصوص الثابتات التي تثبت خروجهم مدعين للإمامة ، فهل للداعية الفخي (ع) أن يدعو إمامه الشرعي الرباني موسى الكاظم إلى البيعة ؟ وهل للكاظم (ع) على ضوء الرواية السابقة أن يرفض بيعة داعيته ؟ فإن عرفت سقم وضعف العبارات السابقة ، وضعف الاعتراض ، فعضد هذا المثال : بأن هل للداعية النفس الزكية (ع) أن يدعو إمامه الشرعي الرباني جعفر الصادق إلى البيعة ، بل وإرغامه عليها ( كما وصفت الروايات الجعفرية ) ، ثم عضد ما سبق : بأن هل للداعية النفس التقية يحيى بن عبدالله المحض (ع) أن يغلظ الكلام على إمامه الشرعي الرباني موسى الكاظم (ع) وأن يصفه باحتجاب الأمر هو وأبوه فإذا عرفت بطلان هذا الفعل وهذا التصرف ، عرفت حينها بطلان اعتراضك ، وأن من يقول به فإنما يريد أن يسلي نفسه وأن يقارب ويسدد ، ولو كان هذا منه على حساب إنصافه وعدم اقتناعه وخداعه لنفسه ، ولغيره بما يحاول أن يقولبه لهم إن كان من الباحثين ، الداعين ، المرشدين .

وإكمالا لسد ثغرات هذا الاعتراض الركيك ، نذكر ما جرى بين النفس التقية يحيى بن عبدالله المحض (ع) وبين الإمام موسى الكاظم (ع) ، ونحرص على إبراز جهل يحيى بن عبدالله بإمامة موسى الكاظم ، حتى أتى من يخبره بهذا الأمر بعد أن قام ودعا ( وهي مدة طويلة لا ينبغي من النفس التقية أن يكون جاهلا بهذه الإمامة في حق ابن عمه بطولها ) ، ثم ننوه على استنباط الروح العدوانية التي تصورها الرواية الجعفرية فيما بينهما ، وما يستحق التركيز عليه هو أن الإمام الكاظم (ع) ينصح ويحث النفس التقية بطاعة وبر الخليفة العباسي هارون الرشيد والله المستعان ، ويا له من تناقض بين موقف الكاظم هنا من الخلافة العباسية ، وموقفه من الخلافة العباسية في عهد الحسين الفخي عندما وصمهم بالفسق وأنهم يظهرون إيمانا ويسترون شركا .

فيروي ثقة الجعفرية محمد بن يعقوب الكليني في الكافي أنه قد كان : (( كتب يحيى بن عبدالله بن الحسن إلى موسى بن جعفر (ع) :

" أما بعد فإني أوصي نفسي بتقوى الله ، وبها أوصيك ، فإنها وصية الله في الأولين ووصيته في الآخرين ، خبرني من ورد علي من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان من تحننك مع خذلانك ، وقد شاورت في الدعوة للرضا من آل محمد (ص) ، وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك ، وقديما ادعيتم ما ليس لكم وبسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله ، فاستهويتم وأظللتم وأنا محذرك الله ما حذرك الله من نفسه "

فكتب إليه أبوالحسن موسى بن جعفر (ع) :

" من موسى بن أبي عبدالله جعفر ، وعلي مشتركين في التذلل لله وطاعته ، إلى يحيى بن عبدالله بن حسن، أما بعد : فإني أحذرك الله ونفسي ، وأعلمك أليم عذابه وشديد عقابه، وتكامل نقماته، وأوصيك ونفسي بتقوى الله ، فإنها زين الكلام وتثبيت النعم، أتاني كتابك تذكر فيه أني مدع وأبي من قبل ، وما سمعت ذلك مني (تأمل) ، وستكتب شهادتهم ويسألون ، ولم يدع حرص الدنيا ومطالبها لأهلها مطلبا لآخرتهم، حتى يفسد عليهم مطلب آخرتهم في دنياهم (تأمل) ، وذكرت أني ثبطت الناس عنك لرغبتي فيما في يديك (تأمل) ، وما منعني من مدخلك الذي أنت فيه ، لو كنت راغبا ضعف عن سنة ولا قلة بصيرة بحجة ، ولكن الله تبارك وتعالى خلق الناس أمشاجا وغرائب وغرائز، فأخبرني عن حرفين أسألك عنهما : ما العترف في بدنك وما الصهلج في الإنسان ، ثم اكتب إلي بخبر ذلك ، وأنا متقدم إليك أحذرك معصية الخليفة ، وأحثك على بره وطاعته ، وأن تطلب لنفسك أمانا قبل أن تأخذك الأظفار ويلزمك الخناق من كل مكان، فتروح إلى النفس من كل مكان ولا تجده، حتى يمن الله عليك بمنه وفضله ورقة الخليفة أبقاه الله فيؤمنك ويرحمك ويحفظ فيك أرحام رسول الله ، والسلام على من اتبع الهدى، إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى .

قال الجعفري (الرواي): فبلغني أن كتاب موسى بن جعفر (ع) وقع في يدي هارون فلما قرأه قال: الناس يحملوني على موسى بن جعفر ، وهو برئ مما يرمى به )) . انتهت الرواية والله المستعان ، والعاقل خصيم نفسه ، ودأب الباحث التمحيص فيما وراء السطور ، حتى يحصل على اليقين ، ولا تميل به الرجال عن يمين وعن شمال ، وبهذا وبما ذكرناه سابقا ، نوضح ما نعنيه في الوجه الثاني ، من أن الجعفري وإن حاول التلبس بثياب الولاء لهؤلاء السادة من أئمة الزيدية مع الولاء لأئمته الجعفرية ، فإنه سيفتح على نفسه نوافذ عديدة قد لا يستطيع الجمع بينها ، إلا بتحكيم العقل ، وترك الهوى والتعصب لآراء الرجال . وإذ قد ذكرنا ما ذكرنا ، فإنه وجب علينا بيان وجه الحق فيما سبق من المقال :

وجه الحق في علاقة أئمة أهل البيت (ع) ببعضهم البعض :

تؤمن الزيدية بفضل أصحاب الفضل من سادات بني الحسن والحسين ، والكل عندهم معدن النبوة ، ومحل الرئاسة والزعامة في الدين والدنيا ، يتفاضلون بالعمل والتقوى ، القائم المجاهد في سبيل الله أفضل من القاعد ، وهذا نص الله سبحانه وتعالى ، ولا نعدوه ولا نزيد عليه ، فقال عز من قائل كريما : ((لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما )) فالقائم المجاهد أفضل من القاعد ، والكل وعدهم الله بالحسنى . وكذا أهل البيت (ع) .

وتؤمن بمحبة الصادق للنفس الزكية ومناصرته له بالنفس والولد ، وكذلك الحال بين الإمام الفخي (ع) وموسى الكاظم (ع) ، وأن هؤلاء وإن تخلفوا عن المشاركة في ميادين الوغى مع أبناء عمومتهم ، فإنهم كانوا بقلوبهم وبدعاءهم معهم مشايعين مناصرين .

تؤمن الزيدية بقيام أئمة الجعفرية الذين هم أئمتنا وأعلامنا في حلالنا وحرامنا ، بقيامهم بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قدر المستطاع وإن لم يشاركوا بأعلى مراتبها وهي اليد ، لأن مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثلاث أعلاها وأفضلها اليد وأدناها التغيير بالقلب وأوسطها التغيير باللسان ، فانتفاء صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد ، لا يعني انتفائها عن اللسان والقلب ، وكذلك كان السجاد (ع) عندما صعد المنبر بحضرة طاغية المسلمين يزيد ، وكذلك كان جعفر الصادق عندما انتهر من يسب سادات أهل البيت على المنبر النبوي ، وكذلك حال سادات بني الحسن والحسين ممن لم يؤثر عنهم مواقف ثورية في ميدان الوغى ، وهذه هي نظرة الزيدية إلى أئمة الجعفرية (ع) ، لأن البعض ، قد يعتقد وصم الزيدية للباقر (ع) بإسدال الستر وإرخاءه ، هو رضاه بحكم طواغيت بني أمية هشام وأذنابه ، وهذا باطل ، أو أنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر مطلقا بمجرد عدم خروجه بالسيف ، وهذا أيضا باطل ، لأن السيف واليد ما هي إلا مرتبة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويليها مراتب ، والاختلاف هنا في الأجر والفضل ، ومرتبة اليد أفضلها وأجلها ، والقلب أضعفها ، وكذلك كل ما يوهم الركون إلى الظلمة والطواغيت من أئمة أهل البيت (ع) القائمين والقاعدين ، فإنهم منزهين عنه ، وعن الاعتقاد به ، إذ لو كان هذا اعتقادهم ما كانوا لنا أئمة هدى ، ولا كانوا لنا مرجعا في أمور الدين والدنيا ، أعزهم الله من هذا الاعتقاد .

وتؤمن الزيدية أن متقدمي أهل البيت (ع) على مذهب واحد ، لا ثاني له ، وأنهم مهما اختلفوا فإنهم لا يجمعون على باطل قطعا ، وإجماعهم حجة لأنهم الثقل الأصغر الملازم للكتاب الكريم .

وتؤمن الزيدية أنه ستبقى فرقة من أهل البيت سائرة على خطى سلفها الصالح حذو القذة بالقذة ، ينطبق عليهم لقب الثقل الأصغر كما انطبق على أسلافهم الماضين ، وبهم يتحقق حديث الثقلين والسفينة ، وما رأينا فرقة من فرق المسلمين ضمت واحتوت من أعلام الذرية الزكية المرضية ، ما حوته الزيدية إلى يومنا هذا ، سيدا يعقب سيد ، إمام يتلو إمام ، قائم يتلو قائم ، مجمعون على عقيدة في الله واحدة ، فالزمها تركب سفينة نوح ، وإن كنت تجهلها فقد لزمتك الحجة على نفسك بقراءة هذه الأسطر ، فحث الخطى إلى الاستزادة عنها ، وأما الجاهل فإنه عدو نفسه ، فلا عليك منه ، ولا تكترث به ، لأنه يهرف بما لا يعرف ، ويقول بما يقال لا بما يقول !! ، واعتمد على نفسك ، وما يمليه عليك بحثك وتحريك ، لأن الضائقة عليك ، والقبر لن يحوي غيرك ،والله المستعان . وبهذا نختم كلامنا ، فسلام الله على أهل بيت النبوة والرحمة المذهب عنهم الرجس ، نجوم السماء وملاذ الورى.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي وعلى آله الخيار الأطهار الأبرار .

Page 199