Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
الجزء الثاني:
إشكالات بين الزيدية والاثني عشرية (مع أحد المستبصرين)
بعد الثورة الإسلامية في إيران لم نكن نهتم كثيرا بالفرق بين الزيدية والاثني عشرية بل كنا نرى في نموذج الحكومة الإسلامية وحزب الله تجسيدا لما نعتقده من نظريات بل ذهب البعض منا إلى اعتباره امتدادا تاريخيا لخط الزيدية ، ولكن ما دفعنا للتركيز على الفوارق بين الزيدية والاثني عشرية والدخول في جدل فكري متزايد هو أن بعض الاثني عشرية في صنعاء دخل في أزمة فكرية حادة جعلته حائرا بين ما كان يعتقده من الزيدية وبين ما جد عليه من الاثني عشرية وكان يهوى التفكير بصوت مرتفع وكان يعمل على أن يرى المجالس مشغولة بالمناظرات بين الزيدية والاثني عشرية فأثار زوبعة مذهبية ومشاعر تاريخية مشحونة لم تكن حاضرة في هذا الجيل ، وجعل المشكلة الفردية التي كان يعاني منها شخصيا تتحول إلى مشكلة إجتماعية ثم مذهبية حولت تركيز الكثير من نقاط الاتفاق إلى نقاط الافتراق وتلك موهبة يتفرد بها ذلك الشخص لا نغبطه عليها ،، وكان بإمكانه أن يمارس حقه في اعتقاد ما يشاء بهدوء وبأقل قدر من الضجة وكان بإمكانه أيضا أن لا يشرع في نشر الاثني عشرية في أوساط الزيدية وهو في مرحلة البحث كما كان يقول ، فما فعله أدى إلى اصطفاف مذهبي لا سابق له كانت بعض ظواهره الإساءة إلى أئمة الزيدية من جهة بعض الاثني عشرية والحيرة في النظر إلى الإمام الخميني والسيد حسن نصر الله من جهة بعض الزيدية.
وقد سمعنا في الآونة الأخيرة ذلك المستبصر يعلن من إيران أنه لم يخرج من الزيدية وإنما زاد عليها بعض الاعتقادات الاثني عشرية وهو ما يعكس تغيرا واضحا وتطورا ملموسا في أسلوبه الاستفزازي الذي ملأ المجالس في صنعاء بطرح الإشكالات على عوام الزيدية في محاولة لاستقطاب بعضهم وأدى إلى نفور معظمهم منه ومن إيران وحزب الله بعد استحضار مسماهما المذهبي المعادي للزيدية ، ويبدو أن الإيرانيين قد أوضحوا له الأضرار التي تسبب بها أسلوبه الإنفعالي غير المسؤول فعدل عنه وهو ما نحمده منه ونتمنى أن يستمر فيه.
وهذا الكلام من ناحية ثانية يعتبر تقدما مهما في عقيدته التي كانت لا تطمئن بنظرية الزيدية في السياسة وتطرح عليها الإشكالات (المطروحة أيضا على نظرية ولاية الفقيه) ، فإذا ثبت هذا الكلام عنه وكان صادقا فيه حيث لا تقية فإن ما يلزمه منه هو انتفاء تلك الإشكالات عنده ، ثم عليه وعلى من ينحون نحوه في اليمن خلال النقاش مع الزيديين إثبات الزيادة التي أصبح يعتقدها بطريقة تليق بقضايا عقائدية يدخل الإنسان بموجبها الجنة أو النار.
ومن ناحية ثالثة لا ندري !! هل يصح أن نقول إنه قد أصبح (إثني عشريا ناقص بعض الاعتقادات) لأننا لا ندري هل يوافق على الولاية التكوينية وجواز التعدد العمودي للآلهة وجواز سؤال البشر الأموات من دون الله والبداء والخروج من النار والرجعة والتقية وعلم الأئمة للغيب وقدرتهم على الإحياء والإماتة والخلق والإيجاد وأن كل راية تخرج قبل راية المعصوم الغائب فهي راية ضلال ؟!
وقد سمعنا تسجيلا بالصورة والصوت لذلك المستبصر يدلل فيه على ما جد عليه من اعتقادات اثني عشرية من ثنايا كتب الزيدية وقد رأينا في ذلك تدليسا على فكرنا ممهورا بالمغالطات والجهالات يجب علينا تفنيده والرد عليه إعمالا لحق الدفاع عن النفس والفكر ، ولذلك فنحن نحمل ذلك المستبصر المقيم حاليا في إيران مسؤولية هذا فتح هذا النقاش والآثار الجانبية المترتبة عليه.
أما عن الأسباب التي دفعت بذلك المستبصر للاعتقاد بالنظرية الاثني عشرية بعد أن كان زيديا فمن أهم الأسباب أن ذلك المستبصر قد تضخمت لديه بعض الشبه المطروحة على النظرية الزيدية كفكرة تنازع بعض الأئمة وكفكرة عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد أن عايش مرحلة عصيبة من الصراع لجأ إلى بعض آبائنا العلماء الأجلاء عسى أن يحلوا له تلك الإشكالات ويزيلوا حيرته بأجوبة كافية شافية ،، ولكنه صدم بأنهم لم يتجاوبوا معه بصورة تتناسب مع معاناته وحيرته ،، فكان هذا البرود منهم مبررا في نظره لسقوط النظرية الزيدية عنده وتصرف كأنما هو يعاقبهم لعدم تفاعلهم معه بما يلائم معاناته وحيرته بل إنه سمح لنفسه بافتراض أنه غلبهم وألجمهم وأفحمهم وأفحم النظرية التي يمثلونها رغم أنهم لم يكونوا يعلمون أنه يتفاعل بهذه الطريقة المأساوية - رغم أن بعضهم رد عليه كتابة - ،، ولو تأمل لأدرك جيدا أن علماءنا الأجلاء لم يعيشوا مرحلة صراع مع الاثني عشرية ولا يدركون بالضرورة عمق الحيرة التي كان يعاني منها ذلك المستبصر ولا غيره ممن تعلمنوا أو تويهبوا في هذه الآونة ،، ولذلك كانوا يتعاملون مع أسئلته باعتبارها استفسارات تبحث عن وصف ولا تحتاج لعلاج فلسفي وتحليلي وكمثال على ذلك فإنه كان يسألهم عن حديث الاثني عشر فكان بعضهم يرد عليه بأن معناه هو ستة من أولاد الحسن وستة من أولاد الحسين ،، فكان يفترض بناء على ذلك أنهم يقرون بصحة الحديث بل ربما افترض أنهم يقرون بتواتره وربما افترض أنهم يصوبون الاعتماد عليه في مسائل الأصول وكل هذا وهم لا يصح عند باحث منصف..
لقد كانوا يجيبونه بناء على أنه زيدي لا بناء على أنه على شفا حيرة بين الزيدية والاثني عشرية ، وللتمثيل على الفرق بين الحالتين نفترض أحد الأشخاص سأل هذا السؤال : لماذا نعاني في حياتنا من الألم ؟! فالجواب عليه سيختلف بحسب تقييم المجيب للمشكلة التي يعاني منها السائل بتقييم السائل نفسه فلو ظن المجيب أن السائل مسلم تقي مؤمن بالله واليوم الآخر وراض بحكمه كانت إجابته : "لأن الله قد سن ذلك" جوابا كافيا شافيا لسؤاله ، أما لو ظن المجيب أن السائل مسلم على شفا حفرة من الإلحاد فإن الجواب عليه لا بد أن يكون فلسفيا تحليليا طويلا يعالج القضية من منبعها ويستأصلها من جذورها ..
ولا أدل على كلامي من أن العلماء الشباب من الزيدية الذين كانوا على اطلاع بقضية المستبصر ومعاناته قد بذلوا جهودا كبيرة لعلاج حيرته وتطمين نفسه ولكنه كان كمن يريد ذلك الجواب من العلماء الكهول ولا يقبله إلا منهم وإلا فإنه سيستهين به لأنه قد جاء من أقرانه.
ولو كان ذلك المستبصر صادقا في رغبته الوصول إلى الحق لما أنف من أن يوضح له بعض إخوانه من العلماء الشباب الذين ما زالوا يختزنون نفس القدر من الطاقة الذي يختزنه في مجال البحث والجدل ،، لاسيما وقد ناقشه بعضهم نقاشا مكررا وأوصلوه في حالات كثيرة إلى السكوت والإطراق والاعتذار بأنه ما يزال باحثا ،، وبعد فترة يأتيهم بردود على ما كان قد أفحم فيه ،، وكأنما كان يناور من أجل المزيد من الوقت لأنه قد أصبح فعلا على مذهب الاثني عشرية ولكن استخدامه لحجة الباحث ليست إلا على سبيل التقية وكحل للخروج من مأزق مؤقت لكي لا يضطر إلى التسليم بأنه فيما عزم إليه على خطأ..
لماذا لم يعتبر الردود المفحمة التي أوردها بعض العلماء الشباب عليه كافية في هذا المقام ؟! ولماذا ظل يضخم بعض الإشكالات السطحية على النظرية الزيدية ويجعلها مبررا لرفضها بينما يتجاهل تماما إشكالات كبيرة كبيرة ترد على النظرية الاثني عشرية من قبيل ثبوتها ومن قبيل اعتمادها على الظنيات ومن قبيل الاحتمالات الكبيرة لاختلاقها ومن قبيل الشركيات التي تنبثق عنها ، ولا أجد جوابا على ذلك إلا لأنه يتأثر كثيرا بواقع الزيدية السيء ويتأثر كثيرا بواقع الاثني عشرية المزدهر البراق هذه الأيام وهذا إن صح عنه فهو سمة تدل على السطحية والغفلة وتنذر بأنه قد يتقلب بين المذاهب والاعتقادات وربما الأديان بناء على موازين القوى والدعاية.. وربما هو ممن يعملون في إطار المثل الشهير "خالف تعرف" يعشق الأضواء ولفت الأنظار وإثارة الأجواء مهما كان الثمن .. وربما هو ينظرون للوجاهة وتحقيق الذات فلم يجدوا في البقاء في الزيدية بغيتهم وقدروا أنها عند الاثني عشرية.. الله أعلم
أما عن احتجاج ذلك المستبصر ببعض المرويات في كتب الزيدية والتي يقول إنها دلته على الاعتقاد بغيبة المعصوم الغائب : فقد طالعت تلك الروايات والنصوص وتأملتها فاستغربت أن يحتج بها من كان يوحي إنه على درجة كبيرة من العلم والفطنة والبحث ، وهي أشبه ما تكون بإيراد أحد المجسمة رواية "إن الله خلق آدم على صورته" الموجودة في كتاب "الأربعون حديثا" للإمام الخميني في إثبات عقيدة التجسيم وأنها عقيدة للإمام الخميني ، أو من يورد آية : "واعتزلكم وما تعبدون من دون الله" للتدليل على صحة مذهب الاعتزال الأصولي الاصطلاحي ، أو من يجتزئ "لا إله" للتدليل على نفي الألوهية في القرءان الكريم بما يخالف السياق العام !!
وقد طرح هذا الموقف الجديد للأخ المستبصر سؤالا قديما جديدا قوامه : لماذا لا نعتقد بإمامة المعصوم الغائب إذا كانت جميع صلاحياته اليوم هي بيد الولي الفقيه ونعتبر ذلك حلا نجمع به بين الزيدية والاثني عشرية ؟: هذا الحل وهذا الجمع هو حل وجمع تم به إصلاح السلبية في النظرية الاثني عشرية فأصبحت بعده أكثر واقعية وأصبح لها هذا الدور الجهادي العظيم في حين أنها قبله كانت غارقة في بحر من الانتظار طال أكثر من 1200سنة (ما يعادل أكثر من 80
من تاريخ الإسلام) ، ولذلك فإن الاعتقاد السائد في إيران اليوم بإمامة معصوم غائب جميع صلاحياته بيد الولي الفقيه (غير المعصوم) هو تطور عظيم يستحق الإشادة والمديح والنصرة والتشجيع وهو انتقال من موقع السلبية والخمول والعزلة إلى موقع الإيجابية والجهاد والمشاركة ، ولكنه مع ذلك يبقى انتقالا غير كامل ويبقى مشوبا ببعض العقائد المتناقضة معه والقابلة للجدل فيه ، وأخشى أن يؤدي هذا التناقض والتنافر بين اعتقاداته وتطبيقاته في يوم من الأيام إلى النكوص عنه ولن يكون هناك من تأصيل شرعي سليم له ولبريقه وعظمته وجهاده سوى النظرية الزيدية ولذلك فنحن حريصون على أن يعلم من يقوم بمثل هذا الإصلاح العظيم في الإثني عشرية ومن يتحمسون له بأن ما يقومون به وما يتحمسون له يتأصل بأصل شرعي يرتبط تاريخيا بالرسالة وبالعترة الطاهرة وقد دفع الكثير من أئمة أهل البيت دمائهم ثمنا له ودفاعا عنه وأن من توصل إليه اليوم من الاثني عشرية ليسوا مبتدعين به ولا مفارقين لخط أهل البيت مهما تعارض ذلك مع أصولهم أو مع الحوزات المدرسية بينهم.
وإن كان بعضهم يعتبر أن الاعتقاد بالمهدي الغائب الذي يعلم سرهم ونجواهم يمدهم بالقوة والعزم وأن الدعاء له يفرج الكرب فإننا كزيدية نكتفي بالاعتقاد بالله فهو الذي يعلم عندنا السر والنجوى وله تتوجه الأفئدة بالدعاء وحده إليه المرجع وإليه المصير.
الرجاء من الإدارة قفل الموضوع إلى أن أكمل نشر بقية الأجزاء
Page 168