Maqālāt Islāmiyya - Majālis Āl Muḥammad
مقالات إسلامية - مجالس آل محمد
قراءات معاصرة حول المذهب الزيدي بين الدقة والأخطاء (2)
http://yemenhurr.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1612
الحلقة الثانية
أ/ محمد الغيل
نماذج من الأخطاء التي وقع فيها بعض المفكرين المعاصرين الذين تناولوا الفكر الزيدي:
أ-الانتماء وتفسير معنى الاعتزاء
بعد أن تحدثنا عن بعض الدراسات الفكرية المعاصرة التي كانت الزيدية موضوعها وقبل الإشارة إلى نماذج من أخطاء كاتبيها التي وقعوا فيها لابد لنا من أن نعطي القارئ الكريم صورة عامة مجملة عن أهم مميزات الفكر الزيدي ذلك الفكر الذي نتحدث عنه ونبحث فيه.
اعلم أخي القارئ الباحث أن المدرسة الزيدية الفكرية تميزت عن غيرها وبحسب نصوص عظماء أئمتها بالاعتزاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة حيث وجدنا أكثر من نص يؤكد أن مدرستهم تأسست على يد رسول الله وأنها إنما كانت مذهب رسول الله ودينه الذي رواه عن رب العالمين والذي جاهد من أجله وأوصى حين الاختلاف فيه وعليه بالتمسك بكتاب الله وبخط أهل البيت عليهم السلام الذي على رأسه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام.
ولعلمنا بأن الإعتزاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو نقطة الخلاف التي لو ظهرت لغيرنا لما كانت له سعة في مخالفة الزيدية فلا بد من أن نناقش وبشكل عام ومجمل دعوى غيرنا من المذاهب الإسلامية عن قضية الاعتزاء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن خلال طرح مجمل وعام نقول: كل مذهب من مذاهب المسلمين يعتزي في منتهاه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو هكذا يدعي ، والفرق بين الزيدية وبين تلك المذاهب ليس سوى في الوسائط الموصلة .
وبشكل مختصر ودون الخوض في تفاصيل نقول: إن ما تميزت به المدرسة الزيدية عن غيرها في هذه المسألة هو الواسطة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتفسير معنى الاعتزاء إليه أو إلى الإمام علي بن أبي طالب أو إلى الإمام زيد بن علي عليه السلام.
فبينما كانت واسطة معظم مذاهب المسلمين في تعرفهم على دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي شخصيات لم تكن في مستوى علي بن أبي طالب من القرابة واللصوق والعلم والفقه والقضاء والبلاغة والجهاد فإن الزيدية والشيعة عموما قد اتخذوا عليا عليه السلام بكل المؤشرات والنصوص النبوية التي اختص بها ليكون واسطة يتعرفون بها على دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالطبع فقد وقع خلاف بين من جعلوا عليا عليه السلام واسطة لهم في تعرفهم على دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهنا تتكرر الدعاوى وتحتار العقول ، فأي الفرق الشيعية هي من أخذت حقا عن الإمام علي عليه السلام دون غيرها ؟!
ففي حين أخذ بعض الشيعة أصولهم الفكرية عن أشخاص ليسوا من أهل البيت بل خالفوا جملة أهل البيت واعني بهم ذرية علي والزهراء والحسنين عليهم السلام واتهموهم وآذوهم وقعدوا عن نصرتهم وأكثروا جدالهم ولجأوا لتبرير مفارقتهم لقول عموم أهل البيت إلى ألاعيب باطنية وأقوال مستنكرة كالبداء والغيبة والتقية فقد التزم أتباع المدرسة الزيدية بخط أهل البيت العام وجرى بينهم وبين خصومهم ممن يدعون الاعتزاء لخط أهل البيت مواقف مشهودة من أبرزها ما كان منهم حين خرج الإمام زيد بن علي عليه السلام وثار على ظلم بني أمية فجرى بينه وبينهم ذلك الموقف الشهير الذي سماهم لأجله بالرافضة ، وهنا ولأجل هذا الموقف الشهير اعتزى أتباع أهل البيت وشيعتهم إلى الإمام زيد بن علي لأن دوره التجديدي النهضوي الثوري جعل منه غربالا نميز به بين من جعل أهل البيت ومنهجهم واسطة للتعرف على مذهب ومدرسة الإمام علي وبين من جعل غير أهل البيت واسطة للتعرف على مذهب الإمام علي عليه السلام وكنتيجة حتمية لهذا البيان المجمل فقد سمي أتباع أهل البيت عليهم السلام بعد استشهاد الإمام زيد بن علي بالزيدية.
فإذا كان الإمام علي عليه السلام هو واسطة الزيدية في التعرف على دين رسول الله فقد كان أهل البيت عموما ومبادئ الإمام زيد بن علي المرفوضة خصوصا-التي هي مبادئ جده الحسين بن علي- هي الواسطة التي اتخذتها جماعة الزيدية للتعرف على منهج وفكر الإمام علي الذي تلقاه مباشرة وبدون أي واسطة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن هنا تبرز أمامك أخي القارئ الكريم أخي الباحث الكاتب المعاصر أهم الميزات العامة التي تتمتع بها المدرسة الفكرية الزيدية أجملها في نقاط اذكر منها :-
1-الزيدية هي الإسلام (النشأة على يد رسول الله )
2-شمولية النظرية
3-التجربة الواقعية (تحول النظرية إلى تطبيق)
4-ارتباط هذا الفكر بأهل البيت
5-أن هذا الفكر ممهور بالدماء عبر التاريخ
6-نموذج رائد يحتذى به
7-أنه فكر يمثل الوسطية ويمكن التوحيد به بين المسلمين
8-أنه فكر عقلي ولا يؤمن بالخرافات
9-أنه فكر لا يتجاهل النقل
10-حسن الظن ببقية المسلمين
وبعد هذا التمهيد والمدخل العام لابد أن نستند في دعوانا السابقة المجملة إلى نصوص مذكورة في مدونات ومصادر الزيدية القديمة معروضة بشيء من التفصيل ليظهر للباحث مصداقية المنهج الذي تدعيه الزيدية وتؤصل عليه تأمل معي هذه النقاط :-
1-تحقيق معنى الانتساب والاعتزاء.
يفسر علماء وأئمة الزيدية معنى الانتساب والإعتزاء إلى الإمام زيد بن علي بأنه الانطلاق والسعي من أجل تطبيق النظرية النابعة من روح الإسلام وإسقاطها على أرض الواقع من خلال خوض تجربة. فالانتساب إلى الإمام زيد بهذا الاعتبار حركة وتجديد وثورة لا أنه نص وتأويل أو أقوال متقدمة وأخرى متأخرة.
يقول الإمام محمد بن عبد الله النفس الزكية: (أما والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ اعوج، ولن ننحوا إلا أثره، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيد إمام الأئمة، وأول من خرج داعيا إلى الله بعد الحسين بن علي). ويقول الإمام عبدالله الكامل: (العلم بيننا وبين الناس علي بن أبي طالب، والعلم بيننا وبين الشيعة زيد بن علي).ويقول الإمام إبراهيم بن عبد الله النفس الرضية فيما يروى عن المفضل الضبي، قال: جعلت الزيدية تحمل بين يدي إبراهيم بن عبد الله بن الحسن صلوات الله عليه ويقولون:نحن الزيدية وأبناء الزيدية.قال: فسمعت إبراهيم عليه السلام «يقول لهم»: رحمكم الله اسم هو أحسن من اسم الإسلام؟! ألا فقولوا نحن المسلمون وأبناء المسلمين ". وهذه النصوص الثلاثة موجودة في مدونات الزيدية القديمة والحديثة وقائلوها عاشوا في نهاية القرن الأول وفي بداية القرن الثاني الهجري انظر على سبيل المثال كتاب المصابيح لأبي العباس الحسني أو الإفادة في تاريخ الأئمة السادة للإمام أبو طالب يحيى بن الحسين الهاروني أو كتاب الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية، لأحمد بن محمد المحلي.
2-تداول المفهوم عقلا ومرجعية النص.
وأعني بهذه النقطة إيراد نصوص أخرى ذكرت في مصادر وكتب ومخطوطات الزيدية القديمة تدعم الفكرة السابق "قدم النشأة والتأسيس" وتظهر بوضوح في نفس الوقت تناقل مفهوم الانتساب والاعتزاء من جهة الفهم والعقل بين أبناء الزيدية وأن مسألة الانتساب والاعتزاء أخذت من خلال مفهوم عام وشامل وهنا أنقل للباحثين المنصفين ثلاثة نصوص من كتب الزيدية المعتمدة والموثقة.
النص الأول:
ورد في كتاب الشافي للإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام قال فيه: "واختصت الفرقة من هذه العترة وشيعتهم بالزيدية وإلا فالأصل علي عليه السلام والتشيع له وخروج الإمام زيد بن علي على أئمة الظلم وقتالهم في الدين فمن صوبهم من الشيعة وصوبه وحذا حذوه فهو زيدي بغير خلاف بين أهل الإسلام".
النص الثاني:
ما ذكره العلامة المحقق ابن أبي الرجال في كتابه مطلع البدور يقول : "إن الزيدية على التحقيق منتسبون إلى الإمام علي بن أبي طالب وإنما انتسبوا إلى زيد بن علي فما ذاك لأنه وقعت فترة بعد مقتل الحسين كادت تنسى أشهر صفات أهل البيت وهي الجهاد فقام زيد بسنة آبائه فانتسب من ورائه إلية لهذه الخصوصية".
النص الثالث:
ورد في كتاب الكاشف الأمين تأليف العالم العارف محمد بن يحيى مداعس الذي خصص بحث منفرد لمفهوم الانتساب والإعتزاء والانتماء تحت عنوان ( انتماء الزيدية إلى الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام) قال فيه :" إلى أن قام الإمام زيد بن علي عليهما السلام سنة 122، فدعا إلى دين جده خاتم النبيين وسيرة آبائه الطاهرين، فلم يكن لمن تابعه سمة يعرف بها حينئذ إلا أن يقال لهم: الزيدية، إذ لو سموا بالمحمدية أو العلوية لنازعهم في تلك التسمية جميع المسلمين، أو جميع من يدعي محبة علي عليه السلام ، فلم يصح حينئذ تعيينهم إلا بنسبتهم إلى إمامهم السالك بهم نهج نبيهم.ولنعم المعتزي ونعم المهتدي بهديه، وإلا فهذه الفرقة في الحقيقة منتسبة إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هؤلاء الأئمة عليهم السلام وصلة وواسطة لتصحيح الاتصال إلى دينه القويم، والتمسك بهديه المستقيم، إذ قد صار المسلمون بعده فرقا وأحزابا، وتقسموا الدين الواحد مذاهبا وأبوابا ".
3-فتح باب الاجتهاد وقاعدة تحريم التقليد في أصول الدين وفروعه.
وهذا يعني التأكيد على استخدام مسلمات العقل والانطلاق من خلالها لفهم النص والتعامل مع نصوص الكتاب ونصوص السنة ونصوص الأئمة بما فيها نصوص الإمام زيد أو حتى نصوص الإمام علي كرم الله وجهه من خلال التعقل والتفهم والتدبر. وهذا ليس بغريب ولا بدعة في الدين فهو ما دعا إليه رسول صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه الذي يرويه بسنده الموثوق الإمام الناطق بالحق يحيى بن الحسين الهاروني في كتاب الأمالي فقد جاء فيه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (من أخذ دينه عن التفكر في آلاء الله، وعن التدبر والتفهم لسنتي، زالت الرواسي ولم يزل، ومن أخذ دينه عن أفواه الرجال مالت به الرجال من يمين إلى شمال وكان من دين الله على أعظم زوال).
وهذا ما دعا إليه كل أئمة الزيدية- في مراسلاتهم وخطبهم التي لا مجال لذكر بعض منها هنا خصوصا عند اخذ البيعة- بما فيهم الإمام زيد بن علي عليه السلام حتى وهو في أرض المعركة وقبل استشهاده فقد نقل عنه الأثر المشهور حين صرخ في أصحابه قائلا لهم : "البصيرة البصيرة عباد الله لا تقاتلوا عدوكم على الشك فتضلوا عن سبيل الله، ولكن البصيرة ثم القتال، فإن الله يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حق، إنه من قتل نفسا يشك في ضلالتها كمن قتل نفسا بغير حق" انظر مجموع ورسائل الإمام زيد.
وكنتيجة حتمية لهذا الانفتاح ولهذه القاعدة القرءانية العظيمة التي حث عليها الإسلام وخاطب المكلفين من خلالها " تحريم التقليد في أصول الدين " وجعلها الفكر الزيدي من أهم مكوناته الفكرية وأكد على أنها من الجذور التي قام عليها دين الله فإن جميع التكاليف الشرعية بما فيها الإيمان ومسائل التوحيد والعبادة والمعاملة بما تحتوي من البيعة والاختيار والانتماء والقيام بالأمر ينطلق المكلف لتطبيقها - سواء كان تابعا أو متبوعا- من خلال إرادته وحريته وقناعته.
إذا فمفهوم الانتساب للإمام زيد عند الزيدية يندرج تحت مفهوم العموم والشمول فهو يشتمل على أساسيات الدين الإسلامي في قضاياه الثلاث التوحيد "الثلاثين المسألة ", والعبادات والمعاملات " مسائل الفقه" وهذا الانتساب يختلف تماما عن الانتساب الذي يظنه كثير من الباحثين المعاصرين الذين يقدمونه على أنه انتساب فقهي مثل الانتساب إلى المذهب الفقهي الحنفي أو المذهب الفقهي الشافعي أو انتساب حصري يخص الإمام زيد بن علي عليه السلام ولا يتناول في شموليته الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤسس المذهب الزيدي .
والى لقاء قريب بحول الله ومع نموذج جديد
محمد الغيل
صنعاء 9-6-2008م
http://yemenhurr.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1612
Page 159