الأستاذ فضربني، وأعلن في الطلاب أني أكبر كذاب في المدرسة لأني أدّعي أن عندنا مصباحًا يشعل بلا كبريت ولا زيت.
وعرفنا السيارة يومئذ. جاءت دمشقَ سيارة واحدة، من سيارات فورد القديمة ذات الدرجة والدواليب الدقيقة العالية وسقف القماش، وكان الناس يزدحمون على جوانب الطرق حين كان يركبها جمال باشا؛ يتعجبون منها ويخشونها، ولا يصدقون أنها تمشي وحدها من غير أن تجرها الخيل. وعرفنا الطيارة وكانت ذات جناحين دقيقين، لا تحمل إلا راكبين اثنين.
أما الراد (الراديو) فلم يكن موجودًا في الدنيا -فيما أعلم- فضلًا عن الرائي (التلفزيون) وأدوات المطبخ الكهربائية، والكناسة الكهربائية، والمصعد الكهربائي.
ولم يكن على أيامنا إلا أربع مدارس ابتدائية في دمشق، وثانوية واحدة كاملة في سورية كلها. وكان في جامعة دمشق -لما كنا طلابًا فيها من قبل خمس وثلاثين سنة- أقل من ثلاثمئة طالب، فصار الآن فيها في كلية الآداب وحدها أربعة عشر ألف طالب.
وصار في كل بيت من بيوت المملكة في مدنها وقراها رادّ، وفي كثير منها تلفزيون، وفي أكثر عماراتها مصاعد، وفي أكثر مطابخها أحدث الآلات. مع أني -لما جئت مكة أول مرة- كانت المعابدة جبلًا أجرد، وجدة لها سور وله أبواب، والرياض أعرفها وما فيها إلا «الديرة» ذات الأسواق التي عرضها متران. ولم تكن الكهرباء إلا في الحرم المكي فقط، توقد من محرك خاص.
لقد تقدمت بلادنا كلها وتحضرت، وما كنّا نتعجب نحن منه قديمًا صار اليوم مألوفًا للبدوي لا يرى فيه عجبًا، بل إنه ليقتني من الآلات والأدوات