بنصر مؤمنيهم ونجاتهم، فحصل من الآيتين التعريف التام بما جرى منهم ابتداء وانتهاء، وصار مجموع الآيتين من الالتحام كأن قد قيل: ألوم يسيروا في الأرض فينظرا كيف كام عاقبة الذين من قبلهم مع زيادة قوتهم وانتشارهم وطول أعمارهم أكثر من هؤلاء، فجاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا فانتقمنا ممن أجرم وكذب، ونصرنا من آمن، وكان حقًا علينا نصر المؤمنين، وما ظلمنا من انتقمنا منه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ...) (الروم: ٩)، فتأمل وضوح هذا كله وتناسبه والتئامه.
فإن قيل: فلم لم يرد ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما أجرموا متصلًا بما تقدم من التذكير بالاعتبار بهم وكان يحصل ذلك كله في كلام متصل بعضه ببعض؟ ولم وقع ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما كذبوا متأخرًا عن الوارد من حالهم أولًا (التي) أمر هؤلاء ونهوا عن الاعتبار بها؟ قلت: جرى ذلك على المعتاد منه سبحانه في دعاء الخلق إلى الإيمان من التطلف والرفق في الدعاء، وبذلك أمر رسله، ﵈، فقال لنبينا ﷺ: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: ١٢٥)، وقال لموسى، ﵇: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (إبراهيم: ٥) أي بنعمة وآلائه قبلهم، وقال لبني إسرائيل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) (البقرة: ٤٧)، وقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) (طه: ٨٠)، وهذا في القرآن كثير، فلما أمر هؤلاء وذكروا بالاعتبار بمن تقدم من القرون، ولم يتقدم قبل الآية إلا التلطف والتأنيس، لم يكن ليناسب ذلك من أخذالمكذبين إلا ما يكون إيماء وإشارة لا إفصاحًا، فلذلك اكتفى أولًا من الإشارة إلى أخذهم بقوله سبحانه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) (الروم: ٩)، وترك الإفصاح بالانتقام إلى أن ورد إخبارًا منه سبحانه لنبيه، ﵇، في غير معرض الدعاء إلى الإيمان فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) (الروم: ٤٧)، وحصل التعريف بغاية حال المذكورين قبل في تكذيبهم، فهذا موجب تفريق هذا الإخبار، والله أعلم.
فإن قلت: فقد ورد في آية غافر من هذه الآي مجموع التنبيه والأخذ متصلًا على غير ما قصدت الآية، قلت: ذلك لسبب اقتضاه يذكر بعد، فآيات الدعاء إلى الله تعالى إنما ترد في الأغلب على ما ذكرنا من التطلف والإبقاء على العباد وذكر الإحسان والرفق، وقد ترد على غير هذا لداع وحامل، والأكثر ما ذكرته. وأا آية فاطر فقد تقدمها قوله تعالى إخبارًا لنبيه وتأنيسًا: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (فاطر: ٢٥ - ٢٦)، فقيل بعد هذه