ذكرهم غير متناول غيرهم، وعنوا بالذكر، واحتيج بعد إلى الإخبار عنهم، أتى بضميرهم، إذ هو أوجز وقد علم، (فقيل): (وَإِذَا رَآكَ)، ولم يكن الإضمار ليناسب في آية الأنبياء، ولم يمكن الإظهار هنا، فورد كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم.
والجواب عن السؤال الثاني: أنه لما تقدم في سورة الأنبياء قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) (الأنبياء: ٢١)، وقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: ٢٢)، وقوله: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) (الأنبياء: ٢٤)، فتكرر ذكر مرتكبهم في اتخاذهم معبوادات لا تغني عنهم، ناسبه قولهم: (أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) (الأنبياء: ٣٦).
أما آية الفرقان فقد تقدمها قوله: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٧)، فأنكروا كون الرسول من البشر، (فجرى مع ذلك وناسبه قولهم: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) (الفرقان: ٤١) تعجبًا واستبعادًا أن يكون الرسل من البشر)، وقد رد ذلك عليهم بقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) (الفرقان: ٢٠)، فوضح التناسب فيها، والله أعلم.
الآية الثالثة قوله تعالى: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) (الأنبياء: ٤٥)، قراءة الجماعة إلا ابن عامر: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ)، وقرأ ابن عامر: (وَلَا تَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ) بضم التاء وفتح الميم من الصم، وفي النمل والروم: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) (النمل: ٨٠). قراءة ابن كثير بضم الياء وفتح الميم كقراءة الجماعة في آية الأنبياء، وقراءة الباقين: (وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ) بضم التاء وفتح الميم كقراءة ابن عامر في الأنبياء، فاستوت الآي الثلاث في ورود القراءتين على الجملة وفي المعنى المقصود، ثم ختمت الأولى بقوله: (إِذَا مَا يُنْذَرُونَ)، وآيتا النمل والروم بقوله: (إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، فيسأل عن ذلك.
والجواب، والله أعلم: أن آية الأنبياء قد تقدمها أمره، ﵇، بخطاب حاضريه، وإنذارهم بما أوحي إليه، وإعلامهم بأن إنذاره إياهم لا يجدي عليهم، تسلية له، ﵇، وإعلامًا بما سبق لهم أزلًا، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ)، ثم قال لهم: (وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ) (الأنبياء: ٤٥)، فأعلمهم بإعلام الله تعالى بأنهم صموا عن سماعه، ومنعوا ثمرته من الإجابة لما سبق عليهم فقيل: (إِذَا مَا يُنْذَرُونَ)، أي أنهم وقت إنذارهم ممنوعون عن السمع، كما قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى