تقوله، فعلى هذا جرى قول النبي الكريم (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)، أي كيف ترون إن كنت على واضحه وعلى يقين من ربي وآتاني منه رحمة فعصيته بموافقتكم، فإن فعلت ذلك فمن ينصرني ويمنعني من عذابه، فخاطبهم ﵇ بطريقة فرض هذا: إن كان كذا، وهو ﵇ العليم بحاله الجليل، وعلى بينة من ربي، وأكد بتقدم المجرور في قوله (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً)، لما يحرز تقديمه من التأكد ويعيه مفهومه من أن الرحمة منه سبحانه لا يشرك فيها غيره، فهو مخصوص لا يحصل مع تأخيره. فتقديم هذا الضمير المجرور كتقديمه في قوله سبحانه: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الأخلاص: ٤)، وقد تقدم مثله في إنشاد سيبويه (رحمة الله عليه):
لتقربن قربًا لجذيا ما دام فيهن فصيل حيا
فلما بالغوا في قبح الجواب بالغ، ﵇ في رد مقالهم، فقدم المجرور لتأكيد أن الرحمة من عند الله تعالى: (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً).
ولما لم يكن في مراجعة قوم نوح مثل هذا في شناعة الجواب، لأن أقصى المفهوم من قولهم: (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنَا)، إلحاقه بهم ومماثلته إياهم، وكلهم يقولون لو كنت رسول لكنت من الملائكة ولم تكن لتماثلنا. فلم يكن في قول هؤلاء ما في قول قوم صالح، فجرى جوابه، ﵇، على نسبة ذلك فقال: (وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)، فأتى بالمجرور مأخرًا في محله على ما يجب، حيث لا يقصد في إحراز المفهوم ما قصد في الآية الأخرى، فورد كل على ما يلائم، والله أعلم.
الآية الخامسة من سورة هود قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) (هود: ٤٠)، وفي سورة: «قد أفلح المؤمنون» (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ...) (المنؤمنون: ٢٧). للسائل أن يسأل عن وقله في سورة هود (قُلْنَا احْمِلْ) وفي السورة الثانية (فَاسْلُكْ) والقصة واحدة فهل ذلك بمقتض لكل واحد من الموضوعين بما وقع فيه؟
والجواب عن ذلك، والله أعلم: أن لفظ احملأوسع مواقع في اللغة وأكثر تصرفًا في الكلام تقول: حملت الشيء إلى فلان، وحملته على كاهلي، وحملت العلم عن فلان، وحمل فلان الأمانة، وحمله الغضب على كذا، وحمِل الفارس على صاحبه، وحملت المرأة والشجر، ولا تقول في شيء من هذا سلك إلا أن يكون المحصور فيه حسبما