Maʾāthir al-abrār
مآثر الأبرار
فكان في بعض الأيام ضاقت بي جوانب البيت، فخرجت المقبرة [فما وسعني وما دريت ما أدعوا به أهل المقبرة] وداخلني اليأس والقنط، فلم ألق حيلة إلا قصد مسجد الهادي أول الظهر فصليت فيه الظهر، وما تيسر في صرح المسجد قريبا من القبة فلقيني بعض الإخوان ممن قد علم بمرضه فسألني عنه فخنقتني العبرة، وأجهشت بالبكاء حتى سمعني من كان بالمصلى والقبة، ثم دخلتها باكيا، ولازمت التابوت فقلت: يا هادياه، [يا هادياه] بصوت مرتفع بقيت على ذلك ساعة، ثم سلمت أجرة [قراءة] ختمة إلى يد أحد العميان المجاورين للهادي، وهو من أهل الصلاح، وقلت له: اقرأ لي بهذه اليوم وغدا ختمة، ووصيتك الدعاء، فرق لي؛ لأنه كان يسمع ابتهالي.
ثم خرجت من القبة، وقد برد ذلك التلهب الذي كان بقلبي، واستروحت نفسي.
فلما وصلت البيت ودخل الليل استقبلنا ما كنا نستقبله من معاناة مرضه، فاعتراه في تلك الليلة نافض خالف أضلاعه، وصاك أسنانه كما يعلم الله ونشهد أنه شيء ما عهدناه منذ مرض، فقلت في نفسي هذه المحقوقة ما هذا إلا من طلائع الموت؛ فبتنا بأسوأ حال باته مخلوق، فلما [كان] قرب الفجر أخذتني سنة خفيفة، فرأيت فيها أن محمدا على باب مسجد الهادي [الشرقي وجملا باركا تحته، والمحمل] مغطى بتغطية لها نور عال، وهي ثياب بيض كلها، عرفت في المنام منها ثوب لي للعيد، وهو رفيع أبيض، فدقني الذهن، وتلك الحال بين عيني، فلم يسبق ذهني إلا إلى أن تلك أمارة موت أو جنازة فازداد غمي.
Page 22