317

Maʿālim al-tawḥīd fī Fātiḥat al-kitāb

معالم التوحيد في فاتحة الكتاب

Publisher

دار المأثور

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م

Publisher Location

دار الأمل

ويقول الإمام ابن القيم ﵀: «وهو سجود الذل والقهر والخضوع فكل أحد خاضع لربوبيته ذليل لعزته مقهور تحت سلطانه تعالى» (^١).
وسجود الكائنات كلها سجود ذل وخضوع وخوف من خالقها وبارئها سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
حتى الشمس تسجد تحت العرش خاضعة لسلطان خالقها، قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ … الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
ثبت عند البخاري من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ قال: كنتُ معَ النبيِّ ﷺ في المسجدِ عِندَ غُروبِ الشمسِ، فقال: «يا أبا ذَرٍّ، أتَدري أينَ تغرُبُ الشمسُ»، قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: «فإنها تَذهَبُ حتى تَسجُدَ تحتَ العرشِ، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ … الْعَلِيمِ (٣٨)﴾» (^٢).
وثبت في الصحيحين من حديث أَبِي ذَر الغفاريّ ﵁ أيضًا قَالَ: سأَلتُ النبيَّ ﷺ عن قولِه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، قال: «مُستقَرُّها تحت العرش» (^٣).
«وَقد أنكر قومٌ سُجُود الشَّمْس وَهُوَ صَحِيح مُمكن. وَلَا مَانع من قدرَة الله تَعَالَى أَن يمكَّن كل شَيْء من الْحَيَوَان والجمادات أَنْ يسْجد لَهُ» (^٤).
فالله تعالى قد أثبت سجود الكائنات وبين سبحانه صفة سجود بعضها وهو بفيء

(^١) مدارج السالكين (١/ ١٠٧).
(^٢) البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩).
(^٣) ينظر التخريج السابق.
(^٤) عمدة القاري (١٥/ ١١٩).

1 / 352