203

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

أمرهم في هذه الآية بالإيمان دل على أن كمال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين , وهو تركه ما لا ينبغي , وفعل ما ينبغي . | وقوله : { آمنوا كمآ آمن ? لناس } أي : إيمانا مقرونا بالإخلاص بعيدا عن النفاق . | ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان , فإنه لو لم يكن إيمانا لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل بالإخلاص , فكان قوله : ' آمنوا ' كافيا في تحصل المطلوب , وكان ذكر قوله : { كمآ آمن ? لناس } لغوا . { س 2 ش 14 / ش 15 وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } | ' إذا ' منصوب ب ' قالوا ' الذي هو جواب لها , وقد تقدم الخلاف في ذلك , و ' لقوا ' فعل وفاعل , الجملة في محل خفض بإضافة الظرف إليها . | وأصل ' لقوا ' : لقيوا بوزن ' شربوا ' فاستثقلت الضمة على ' الياء ' التي هي ' لام ' الكلمة , فحذفت الضمة فالتقى ساكنان : لام الكلمة وواو الجمع , ولا يمكن تحريك أحدهما , فحذف الأول وهو ' الياء ' , وقلبت الكسرة التي على القاف ضمة ؛ لتجانس واو الضمير , فوزن ' لقوا ' : ' فعوا ' , وهذه قاعدة مطردة نحو : ' خشوا ' , و ' حيوا ' . وقد سمع في مصدر ' لقي ' أربعة عشر وزنا : ' لقيا ولقية ' بكسر الفاء وسكون العين , و ' لقاء ولقاءة ' بفتحها أيضا مع المد في الثلاثة , و ' لقى ' بفتح الفاء وضمها , و ' لقيا ' بضم الفاء , وسكون العين و ' لقيا ' بكسرها والتشديد و ' لقيا ' بضم الفاء , وكسر العين مع التشديد , و ' لقيانا ولقيانا ' بضم الفاء وكسرها , و ' لقيانة ' بكسر الفاء خاصة , و ' تلقاء ' . | وقراءة أبو حنيفة - رحمه الله - : ' وإذا لاقوا ' . | و ' الذين آمنوا ' مفعول به , و ' قالوا ' جواب ' إذا ' , و ' آمنا ' في محل نصب بالقول . | قال ابن الخطيب : ' والمراد بقولهم : ' آمنا ' : أخلصنا بالقلب ؛ لأن الإقرار باللسان كان معلوما منهم مما كانوا يحتاجون إلى بيانه , إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب , وأيضا فيجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم , وإنما كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب ' . | وقوله : { وإذا خلوا إلى ? شياطينهم قالو ? ا } تقدم نظيره , والأكثر نظيره , والأكثر في ' خلا ' أن يتعدى بالباء , وقد يتعدى ب ' إلى ' , وإنما تعدى في هذه الآية ب ' إلى ' لمعنى بديع , وهو أنه إذا تعدى بالباء احتمل معنيين : | أحدهما : الانفراد . | والثاني : السخرية والاستهزاء , تقول : خلوت به ' أي : سخرت منه , وهو من قولك : خلا فلان بعرض فلان أي : يعبث به . | وإذا تعدى ب ' إلى ' كان نصا في الانفراد فقط , أو تقول : ضمن ' خلا ' معنى ' صرف ' فتعدى ' إلى ' , والمعنى : صرفوا خلاهم إلى شياطينهم , أو تضمن معنى ' ذهبوا وانصرفوا ' ومنه : ' القرون الخالية ' . | وقيل : ' إلى ' - هنا - بمعنى ' مع ' , كقوله : { ولا تأكلو ? ا أموالهم إلى ? أموالكم } [ النساء : 2 ] . | وقيل : هي هنا بمعنى ' الباء ' , وهذان القولان إنما يجوزان عند الكوفيين , وأما البصريون فلا يجيزون التجوز في الحروف ؛ لضعفها . | وقيل المعنى : وإذا خلوا رجعوا إلى شياطينهم . ف ' إلى ' على بابها . | والأصل في خلوا : خلووا , فقلبت ' الواو ' الأولى التي هي ' لام ' الكلمة ' ألفا ' لتحركها , وانفتاح ما قبلها , فبقيت ساكنة وبعدها ' واو ' الضمير ساكنة , فالتقى ساكنان , فحذف أولهما , وهو ' الألف ' , وبقيت الفتحة دالة عليها . | و ' شياطينهم ' : جمع شيطان , جمع تكسير , وقد تقدم القول في اشتقاقه , فوزن شياطين : إما ' فعاليل ' أو ' فعالين ' على حسب القولين المتقدمين في الاستعاذة , والفصيح في شياطين وبابه أن يعرب بالحركات ؛ لأنه جمع تكسير , وهي لغة رديئة , وهي إجراؤه إجراء الجمع المذكر السالم , سمع منهم : ' لفلان البستان حوله البستانون ' . | وقرئ شاذا : ' وما تنزلت به الشياطون ' [ الشعراء : 210 ] . | وشياطينهم : رؤساؤهم وكهنتهم . | قال ابن عباس : وهم خمسة نفر من اليهود : كعب بن الشرف ب ' المدينة ' , وأبو بردة ب ' الشام ' في بني أسلم , وعبد الدار في ' جهينة ' , وعوف بن عامر في بني أسد , وعبد الله بن السوداء ب ' الشام ' ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له . | وقال مجاهد : شياطينهم : أصحابهم من المنافقين والمشركين . | وقوله : { إنا معكم } ' إن ' واسمها و ' معكم ' خبرها , والأصل في ' إنا ' : ' إننا ' لقوله تعالى : { إننآ سمعنا مناديا } [ آل عمران : 194 ] , وإنما حذفت نوني ' إن ' لما اتصلت بنون ' نا ' , تخفيفا . | وقال أبو البقاء : ' حذفت النون الوسطى على القول الصحيح , كما حذفت في ' إن ' إذا خففت ' . | و ' مع ' ظرف والضمير بعده في محل خفض بإضافته إليه وهو الخبر - كما تقدم - فيتعلق بمحذوف وهو ظرف مكان , وفهم الظرفية منه قلق . | قالوا : لأنه يدل على الصحبة , ومن لازم الصحبة الظرفية , وأما كونه ظرف مكان , لأنه يخبر به عن الجثث نحو : ' زيد معك ' , ولو كان ظرف زمان لم يجز فيه ذلك . | واعلم أن ' مع ' لا يجوز تسكين عينها إلا في شعر كقوله : [ الوافر ] | 210 - فريشي منكم وهواي معكم | وإن كانت زيارتكم لماما

وهي حينئذ على ظرفيتها خلافا لمن زعم أنها حينئذ حرف جر , وإن كان النحاس ادعى الإجماع في ذلك , وهي من الأسماء اللازمة للإضافة , وقد تقطع لفظا , فتنتصب حالا غالبا , تقول : جاء الويدان معا أي : مصطحبين , وقد تقع خبرا , قال الشاعر : [ الطويل ] | 211 - حننت إلى ريا ونفسك باعدت | مزارك من وشعباكما معا

Page 361