Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
لا يطاق وتقريره : أنه - تعالى - أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط , فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله - تعالى - الصدق كذبا , والكذب عند الخصم قبيح , وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة , وهما محالان على الله تعالى , والمفضي إلى المحال محال , فصدور الإيمان منه محال , فالتكليف به تكليف بالمحال , وقد يذكر هذا في صورة العلم , وهو أنه - تعالى - لما علم منه أنه لا يؤمن , فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله جهلا , وذلك محال , ويستلزم من المحال محال , فالأمر واقع بالمحال . ونذكر هذا على وجه ثالث : وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بأنه لا يؤمن ؛ لأنه إنما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم , والعلم بعدم الإيمان يلزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا , وهذا محال , والأمر بالإيمان مع وجود علم الله بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين , بل أمر بالجمع بين العدم والوجود , وكل ذلك محال . | ونذكر هذا على وجه رابع : وهو أنه - تعالى - كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة [ والإيمان يعتبر فيه تصديق الله - تعالى - في كل ما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط ] وقد صاروا مكلفين بأن يؤمنون بأنهم لا يؤمنون قط , وهو مكلف بالجمع بين النفي والإثبات . | ونذكر هذا على وجه خامس : وهو أنه - تعالى - عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر عنه في قوله : { يريدون أن يبدلوا كلام ? لله قل لن تتبعونا كذلكم قال ? لله من قبل } [ الفتح : 15 ] , فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله , وذلك منهي عنه . | ثم هاهنا أخبر الله - تعالى - عنهم أنهم لا يؤمنون ألبتة , فمحاولة الإيمان منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام الله , وذلك منهي عنه وترك محاولة الإيمان يكون - أيضا - مخالفة لأمر الله , فيكون الذم حاصلا على الترك والفعل . فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع وهي هادمة لأصول الاعتزال , وكل ما استدل به المعتزلة من الآيات الواردة , فيأتي الجواب عنها عند ذكر كل آية منها إن شاء الله تعالى . { س 2 ش 7 ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } | اعلم أنه - تعالى - لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية السبب الذي لأجله لم يؤمنوا وهو الختم . | واعلم أن الختم والكتم أخوان وهو : الاشتياق بالشيء بضرب الخاتم عليه كتما له وتغطية ؛ لئلا يتوصل إليه , ومنه : الختم على الباب . | ' على قلوبهم ' متعلقة ب ' ختم ' , و ' على سمعهم ' يحتمل عطفه على ' قلوبهم ' , وهو الظاهر , للتصريح بذلك , أعني : نسبة الختم إلى السمع في قوله تعالى : { وختم على ? سمعه } [ الجاثية : 23 ] ويحتمل أن يكون خبرا مقدما , وما بعده عطف عليه . | و ' غشاوة ' مبتدأ , وجاز الابتداء بها لأن النكرة متى كان خبرها ظرفا , أو حرف جر تاما , وقدم عليها جاز الابتداء بها , [ ويكون تقديم الخبر حينئذ واجبا ؛ لتصحيحه الابتداء بالنكرة ] , والآية من هذا القبيل , وهذا بخلاف قوله تعالى : { وأجل مسمى عنده } [ الأنعام : 2 ] ؛ ويبتدأ بما بعده , وهو ' وعلى أبصارهم غشاوة ' ف ' على أبصارهم ' خبر مقدم , و ' غشاوة ' مبتدأ مؤخر . | وعلى الاحتمال الثاني يوقف على ' قلوبهم ' , وإنما كرر حرف الجر ؛ ليفيد التأكيد ويشعر بذلك بتغاير الختمين , وهو : أن ختم القلوب غير ختم الأسماع . | وقد فرق النحويون بيم ' مررت بزيد وعمرو ' وبين ' مررت بزيد وبعمرو ' فقالوا في الأول هو ممرور واحد , وفي الثاني هما ممروران , وهو يؤيد ما قلته , إلا أن التعليل بالتأكيد يشمل الإعرابين , أعني : جعل ' وعلى سمعهم ' معطوفا على قوله : ' على قلوبهم ' , وجعله خبرا مقدما . | وأما التعليل بتغاير الختمين فلا يجيء إلا على الاحتمال الأول , وقد يقال على الاحتمال الثاني أن تكرير الحرف يشعر بتغاير الغشاوتين , وهو أن الغشاوة على السمع غير الغشاوة على البصر , كما تقدم ذلك في الختمين . | وقرىء : غشاوة بالكسر والنصب , وبالفتح والنصب وبالضم والرفع , وبالكسر والرفع - و ' غشوة ' بالفتح والرفع والنصب - و ' غشاوة ' بالعين المهملة , والرفع من العشا . فأما النصب ففيه ثلاثة أوجه : | الأول : على إضمار فعل لائق , أي : وجعل على أبصارهم غشاوة , وقد صرح بهذا العامل في قوله تعالى : { وجعل على ? بصره غشاوة } [ الجاثية : 23 ] . | والثاني : الانتصاب على إسقاط حرف الجر , ويكون ' على أبصارهم ' معطوفا على ما قبله , والتقدير : ختم الله على قلوبهم , وعلى سمعهم , وعلى أبصارهم بغشاوة , ثم حذف الجر , فانتصب ما بعده ؛ كقوله : [ الوافر ] | 159 - تمرون الديار فلم تعوجوا | كلامكم علي إذن حرام
Page 321