Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
وعلى هذا سمي الطريق لقما وملتقما ؛ لأنه يلتقم سالكه , أو يلتقمه سالكه . | وأصله : السين : وقد قرأ به قنبل رحمه الله تعالى حيث ورد , وإنما أبدلت صادا ؛ لأجل حرف الاستعلاء وإبدالها صادا مطرد عنده ؛ نحو : ' صقر ' في ' سقر ' , و ' صلخ ' في ' سلخ ' , و ' أصبغ ' في ' أسبغ ' , و ' مصيطر ' في ' مسيطر ' لما بينهما من التقارب . وقد تشم الصاد في ' الصراط ' ونحوه زايا , وقرأ به خلف , وحمزة حيث ورد , وخلاد : الأول فقط , وقد تقرأ زايا محضة , ولم ترسم في المصحف إلا بالصاد , مع اختلاف في قراءتهم فيها كما تقدم . | و ' الصراط ' يذكر ويؤنث : فالتذكير لغة تميم , والتأنيث لغة ' الحجاز ' , فإن استعمل مذكرا , جمع على ' أفعلة ' في القلة , وعلى ' فعل ' في الكثرة , نحو : ' حمار ' , و ' أحمرة ' و ' حمر ' , وإن استعمل مؤنثا , فقياسه أن يجمع على ' افعل ' : نحو : ' ذراع ' و ' أذرع ' . | و ' المستقيم ' اسم فاعل من استقام , بمعنى المجرد , ومعناه : السوي من غير اعوجاج , واصله : ' مستقوم ' ثم أعل كإعلال ' نستعين ' وسيأتي الكلام [ مستوفى ] على مادته إن شاء الله - تعالى - عند قوله تعالى { ويقيمون ? لصلاة } [ البقرة : 3 ] . | و ' الصراط المستقيم ' قال ابن عباس , وجابر - رضي الله عنهما - : هو الإسلام , وهو قول مقاتل , وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما : هو القرآن الكريم , وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - مرفوعا : الصراط المستقيم : كتاب الله تعالى . | وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه ' طريق الجنة ' . | وقال سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى : هو طريق السنة والجماعة . وقال بكر بن عبد الله المزني : هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم . | وقال أبو العالية , والحسن : رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه . | قال ابن الخطيب : الحكمة في قوله : ' اهدنا ' ولم يقل ' اهدني ' ؛ إما : لأن الدعاء مهما كان أعم , كان إلى الإجابة أقرب . | وإما لقول النبي عليه الصلاة والسلام ' ادعوا الله تعالى بألسنة ما عصيتموه بها ' قالوا : يا رسول الله , فمن لنا بتلك الألسنة ؟ قال : ' يدعو بعضكم لبعض ؛ لأنك ما عصيت بلسانه , وهو ما عصى بلسانك ' . | الثالث : كان العبد يقول : سمعت رسولك يقول : ' الجماعة رحمة ' , فلما أردت حمدك , قلت : الحمد لله , ولما ذكرت العبادة , ذكر عبادة الجميع , ولما ذكرت الاستعانة , ذكرت استعانة الجميع , فلا جرم لما طلبت الهداية , طلبتها للجميع , ولما طلبت الاقتداء بالصالحين , طلبت اقتداء الجميع ؛ فقلت : ' غير المغضوب عليهم ولا الضالين ' , فلما لم أفارق النبياء والصالحين في الدنيا , فأرجو ألا أفارقهم في الآخرة ؛ كما قال تعالى : { فأول ? ئك مع ? لذين أنعم ? لله عليهم } [ النساء : 69 ] الآية الكريمة . | قوله تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } | قوله تعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } . | ' صراط الذين ' بدل منه ، بدل كل من كل ، وهو بدل معرفة من معرفة . | والبدل سبعة أقسام على خلاف في بعضها : | بدل كل من كل ، وبدل بعض من كل ، وبدل اشتمال ، وبدل غلط ، وبدل نسيان ، وبدل بداء ، وبدل كل من بعض . أما الأقسام الثلاثة الأول ، فلا خلاف فيها . وأما بدل البداء ، فأثبته بعضهم ؛ مستدلا بقوله عليه الصلاة والسلام : ( وإن الرجل ليصلي الصلاة ، وما كتب له نصفها ثلثها ربعها إلى العشر ) ولا يرد هذا القرآن الكريم . وأما الغلط والنسيان : فأثبتهما بعضهم ؛ مستدلا بقول ذي الرمة : [ البسيط ] 75 - لمياء في شفتيها حوة لعس . . . وفي اللثات وفي أنيابها شنب قال : لأن ( الحوة ) السواد الخالص ، و ( اللعس ) سواد يشوبه حمرة ، ولا يرد هذان البدلان في كلام فصيح . وأما بدل الكل من البعض ، فأثبته بعضهم ، مستدلا بظاهر قوله : [ الخفيف ] 76 - نضر الله أعظما دفنوها . . . بسجستان طلحة الطلحات في رواية من نصب ( طلحة ) ، قال : لأن ( الأعظم ) بعض ( طلحة ) ، و ( طلحة ) كل وقد أبدل منها ؛ واستدل - أيضا - بقول امرئ القيس [ الطويل ] 77 - كأني غداة البين يوم تحملوا . . . لدى سمرات الحي ناقف حنظل ف ( غداة ) بعض ( اليوم ) ، وقد أبدل ( اليوم ) منها . ولا حجة في البيتين ، أما الأول : فإن الأصل ( أعظما دفنوها أعظم طلحة ) ثم حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ؛ ويدل على ذلك الرواية المشهورة وهي جر ( طلحة ) على أن الأصل : ( اعظم طلحة ) ولم يقم المضاف إليه مقام المضاف . وأما الثاني : فإن ( اليوم ) يطلق على القطعة من الزمان ، كما تقدم ، وليس هذا موضع البحث عن دلائل المذهبين . وقيل : ( الصراط ) الثاني غير الأول ، والمراد به : العلم بالله تعالى . قاله جعفر بن محمد تعالى : وعلى هذا فتخريجته أن يكون معطوفا حذف منه حرف العطف ، وبالجملة فهو مشكل . والبدل ينقسم أيضا إلى : بدل ظاهر من ظاهر : ومضمر من مضمر ، وظاهر من مضمر ، ومضمر من ظاهر . وفائدة البدل : الإيضاح بعد الإبهام ؛ لأنه يفيد تأكيدا من حيث المعنى ، إذ هو على نية تكرار العامل . و ( الذين ) في محل جر بالإضافة ، وهو اسم موصول ، لافتقاره إلى صلة وعائد ، وهو جمع ( الذي ) في المعنى ، والمشهور فيه أن يكون بالياء ، رفعا ، ونصبا ، وجرا ؛ وبعضهم يرفعه بالواو ؛ جريا له مجرى جمع المذكر السالم ؛ ومنه : [ الرجز ] 78 - نحن الذون صبحوا الصباحا . . . يوم الفساد غارة ملحاحا وقد تحذف نونه استطالة بصلته ؛ كقوله : [ الطويل ] 79 - وإن الذي حانت بفلج دماؤهم . . . هم القوم كل القوم يا أم خالد ولا يقع إلا على أولي العلم ، [ ولا يقع مجرى جمع المذكر السالم ، بخلاف مجرده فإنه يقع على أولي العلم ] وغيرهم . و ( أنعمت ) : فعل ، وفاعل ، صلة الموصول . والتاء في ( أنعمت ) ضمير مرفوع متصل . و ( عليهم ) جار ومجرور متعلق ب ( أنعمت ) ، والضمير هو العائد ، وهو ضمير جمع المذكرين العقلاء ، ويستوي فيه لفظ متصله ومنفصله . والهمزة في ( أنعمت ) ؛ لجعل الشيء صاحب ما صيغ منه ، فحقه أن يتعدى بنفسه ، ولكن ضمن معنى ( تفضل ) فتعدى تعديته . وقرأ عمر بن الخطاب ، وابن الزبير رضي الله - تعالى - ( صراط من أنعمت ) . ول ( أفعل ) أربعة وعشرون معنى ، تقدم واحد . والتعدية ؛ نحو : ( أخرجته ) . والكثرة ؛ نحو : ( أظبى المكان ) أي : ( كثر ظباؤه ) . والصيرورة ؛ نحو : ( اغد البعير ) صار ذا غدة . والإعانة ؛ نحو : ( أحلبت فلانا ) أي : أعنته على الحلب . والتشكية ؛ نحو : ( أشكيته ) أي : أزلت شكايته . والتعريض ؛ نحوك ( أبعت المبتاع ) ، أي : عرضته للبيع . وإصابة الشيء بمعنى ما صيغ منه ؛ نحو : ( أحمدته ) أي : وجدته محمودا . وبلوغ عدد ؛ نحو : ( أعشرت الدراهم ) ، أي : بلغت العشرة . أو بلوغ زمان ؛ نحو ( أصبح ) ، أو مكان ؛ نحو ( أشأم ) . وموافقة الثلاثي ؛ نحو : ( أحزت المكان ) بمعنى : حزته . أو أغنى عن الثلاثي ؛ نحو : ( أرقل البعير ) . ومطاوعة ( فعل ) ؛ نحو قشع الريح ، فأقشع السحاب . ومطاوعة ( فعل ) ؛ نحو : ( فطرته ، فأفطر ) . ونفي الغريزة ؛ نحو : ( أسرع ) . والتسمية ؛ نحو : ( أخطأته ) ، أي : قلت له : سقاك الله تعالى . والاستحقاق ؛ نحو ( أحصد الزرع ) ، أي : استحق الحصاد . والوصول ؛ نحوه : ( أعلقته ) ، أي : وصلت عقلي إليه . والاستقبال نحو : ( أففته ) ، أي : استقبلته بقول : أف . والمجيء بالشيء ؛ نحو : ( أكثرت ) أي : جئت بالكثير . والفرق بين أفعل وفعل ، نحو : أشرقت الشمس : أضاءت ، وشرقت : طلعت . والهجوم ؛ نحو : اطلعت على القوم ، أي : اطلعت عليهم . و ( على ) حرف استعلاء حقيقة أو مجازا ؛ نحو : عليه دين : ولها معان أخر ، منها : المجاوزة ؛ كقوله : [ الوافر ] 80 - إذا رضيت علي بنو قشير . . . لعمر الله أعجبني رضاها أي : عني . وبمعنى ( الباء ) { حقيق على أن لا أقول } [ الأعراف : 105 ] ، أي : بأن ، وبمعنى ( في ) ؛ { الشياطين على ملك سليمان } [ البقرة : 102 ] أي : في [ ملك ] ، { المال على حبه ذوي القربى } [ البقرة : 177 ] . والتعليل : { ولتكبروا الله على ما هداكم } [ البقرة : 185 ] ؛ أي لأجل هدايته إياكم . وبمعنى ( من ) : { حافظون إلا على أزواجهم } [ المؤمنون : 5 ، 6 ] ، أي : إلا من أزواجهم . والزيادة كقوله : [ الطويل ] 81 - أبى الله إلا أن سرحة مالك . . . على كل أفنان العضاه تروق لأن ( تروق ) يتعدى بنفسه ، ولكل موضع من هذه المواضع مجال للنظر . وهي مترددة بين الحرفية ، والاسمية ؛ فتكونه اسما في موضعين : أحدهما : أن يدخل عليها حرف الجر ؛ كقول الشاعر : [ الطويل ] 82 - غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها . . . تصل وعن قيض بزيزاء مجهل ومعناها ( فوق ) ، أي : من فوقه . والثاني : أن يؤدي جعله حرفا ، إلى تعدي فعل المضمر المنفصل إلى ضمير المتصل في غير المواضع الجائز فيها ؛ ومن ذلك قوله : [ المتقارب ] 83 - هون عليك فإن الأمور . . . بكف الإله مقاديرها ومثلها في هذين الحكمين ( عن ) ، وستأتي إن شاء الله تعالى . وزعم بعضهم أن ( على ) مترددة بين الاسم ، والفعل ، والحرف . أما الاسم والحرف ، فقد تقدما . وأما الفعل : قال : فإنك تقول : ( علا زيد ) أي : ارتفع . وفي هذا نظر ؛ لأن ( علا ) إذا كان فعلا ، مشتق من العلو ، وإذا كان اسما أو حرفا ، فلا اشتقاق له ، فليس هو ذاك ، إلا أن هذا القائل يرد هذا النظر ، [ بقولهم : إن ( خلا ) ، ( وعدا ) مترددان بين الفعلية والحرفية ، ولم يلتفتوا إلى هاذ النظر ] . والأصل في هاء الكناية الضم ، فإن تقدمها ياء ساكنة ، أو كسرة ، كسرها غير الحجازيين ؛ نحو : عليهم وفيهم وبهم . والمشهور في ميمها السكون قبل متحرك ، والكسر قبل ساكن ، هذا إذا كسرت الهاء ، أما إذا ضممت ، فالكسر ممتنع إلا في ضرورة ؛ كقوله : ( وفيهم الحكام ) بكسر الميم . وفي ( عليهم ) عشر لغات : قرىء ببعضها : ( عليهم ) بكسر الهاء وضمها ، مع سكون الميم . ( عليهمي ) ، بكسر الهاء ، وزيادة الياء ، وبكسر الميم فقط . ( عليهمو ) بضم الميم ، وزيادة واو ، أو الضم فقط . ( عليهمو ) بكسر الهاء ، وضم الميم ، بزيادة الواو . ( عليهمي ) بضم الهاء ، وزيادة ياي بعد الميم . أو الكسر فقط ( عليهم ) بكسر الهاء ، وضم الميم ، حكى ذلك ابن الأنباري . والتفسير ، قال البغوي - تعالى - : ( صراط الذين أنعمت عليهم أي : مننت عليهم بالهداية والتوفيق ، وقال عكرمة - رضي الله تعالى عنه - : مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وعلى الأنبياء عليهم السلام . وقيل : على كل من ثبته الله - تعالى - من النبيين والمؤمنين الذي ذكرهم الله - تعالى - في قوله : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين } [ النساء : 69 ] وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - هم قوم موسى ، وعيسى - عليهما الصلاة والسلام ، قبل أن غيروا دينهم . وقال أبو العالية : هم آل الرسول وأبو بكر ، وعمر هما . وقال شهر بن حوشب - ه - : هم أصحاب النبي ، وأهل بيته . وقرأ حمزة ( عليهم ) ، و ( إليهم ) ، و ( لديهم ) بضم الهاء . ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ساكنة تثنية وجمعا ، إلا قوله تعالى : { بين أيديهن وأرجلهن } [ الممتحنة : 12 ] . والآخرون : بكسرها . فمن ضمها ردها إلى الأصل ؛ لأنها مضمومة عند الإنفراد . ومن كسرها ، فالأصل الياء الساكنة ، والياء أخت الكسرة . وضم ابن كثير ، وأبو جعفر كل ميم جمع مشبعا في الوصل ، إذا لم يلقها ساكن ، فإن لقيها ساكن فلا يشبع . ونافع يخير ، ويضم ورش عند ألف القطع . وإذا تلقته ألف الوصل ، وقبل الهاء كسر ، أو ياء ساكنة ، ضم الهاء والميم حمزة والكسائي - رحمهما الله - وكسرهما أبو عمرو ، وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله . والآخرون : بضم الميم ، وكسر الهاء ؛ لأجل الياء أو لكسر ما قبلها ، وضم الميم على الأصل ، وقرأ عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - : ( صراط من أنعمت عليهم ) . قال ابن الخطيب - تعالى - : اختلف في حد النعمة : فقال بعضهم : إنها عبارة عن المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير . ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ] . قالوا : وإنما زدنا على هذا القيد ، لأن النعمة يستحق لها الشكر والإحسان [ والحق أن هذا القيد غير معتبر ؛ لأنه لا يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان ] ، وإن كان فعله محظورا ؛ لأن جهة استحقاق السكر غير جهة استحقاق الذنب والعقاب ، فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق بإنعامه الشكر ، والذم بمعصية الله تعالى ، فلا يجوز أن يكون الأمر ها هنا كذلك . ولنرجع إلى تفسير الحد : فنقول : أما قولنا : ( المنفعة ) ؛ فلأن المضرة المحضة لا تكون نعمة . وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان ؛ لأنه لو كان نفعا وقصد الفاعل به نفع نفسه ، نفع المفعول به ، فلا يكون نعمة ، كمن أحسن إلى جاريته ، ليربح عليها . وها هنا فوائد : الفائدة الأولى : أن كل ما يصل إلى الخلق من النفع ، ودفع الضرر ، فهو من الله تعالى على ما قال تبارك وتعالى : { وما بكم من نعمة فمن الله } [ النحل : 53 ] ، ثم إن النعمة على ثلاثة أقسام : أحدها : نعمة تفرد الله - تعالى - بإيجادها ، نحو : أن خلق ورزق . وثانيها : نعمة وصلت إلينا من جهة غير الله - تعالى - في ظاهر الأمر ، وفي الحقيقة فهي - أيضا - إنما وصلت إلينا من الله تبارك وتعالى ؛ وذلك لأنه - تعالى - هو الخالق لتلك النعمة ، والخالق لذلك المنعم ، وخالق لداعية الإنعام بتلك النعمة في قلب ذلك المنعم ، إلا أنه تبارك وتعالى لما أجرى تلك النعمة على يد ذلك العبد ، كان ذلك العبد مشكورا ، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله - تعالى - ولهذا قال تعالى : { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } [ لقمان : 14 ] فبدأ بنفسه ، تنبيها على أن إنعام الخلق لا يتم إلا بإنعام الله تعالى . وثالثها : نعم وصلت من الله إلينا بسبب طاعتنا ، وهي أيضا من الله تعالى ؛ لأنه لولا أن الله - سبحانه وتعالى - وفقنا للطاعات ، وأعاننا عليها ، وهدانا إليها ، وأزاح الأعذار عنا ، وإلا لما وصلنا إلى شيء منها ، فظهر بها التقرير أن جميع النعم في الحقيقة كم الله تعالى . الفائدة الثانية : اختلفوا [ في أنه ] هل لله - تعالى - نعمة على الكافر أم لا ؟ فقال بعض أصحابنا : ليس لله - تعالى - على الكافر نعمة . وقالت المعتزلة : لله - تعالى - على الكافر نعمة دينية ، ونعمة دنيوية . واحتج الأصحاب على صحة قولهم ، بالقرآن [ الكريم ] ، والمعقول . أما القرآن ؛ فقوله تبارك وتعالى : { صراط الذين أنعمت عليهم } ؛ وذلك لأنه لو طلب كان لله على الكافر نعمة ، لكانوا داخلين تحت قوله : { أنعمت عليهم } فيكون طلبا لصراط الكفار ، وذلك باطل ، فثبت بهذه الآية أنه ليس لله - تعالى - على الكافر نعمة . فإن قالوا : إن قوله : { الصراط المستقيم } يدفع ذلك . قلنا : { صراط الذين أنعمت عليهم } بدل من قوله : { الصراط المستقيم } ؛ فكان التقدير : ( اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ) ، وحينئذ يعود المحذوف المذكور . وقوله تبارك وتعالى : { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } [ آل عمران : 178 ] . وأما المعقول : فهو أن نعم الدنيا الفانية في مقابلة عذاب الآخرة على الدوام ، كالقطرة في البحر ، ومثل هذا لا يكون نعمة ، فقد احتجوا بقوله تعالى : { ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء } [ البقرة : 21 ، 22 ] ، على أنه يجب على الكل طاعة الله - تعالى - لأجل هذه النعم ، وإلا لما كانت هذه النعم العظيمة معتبرة ؛ وقوله تعالى : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا } [ البقرة : 28 ] ، ذكر ذلك في معرض الامتنان ، وشرح النعم . وقوله تعالى : { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [ البقرة : 40 ] . وقوله تعالى : { وقليل من عبادي الشكور } [ سبأ : 13 ] . وقول إبليس : { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [ الأعراف : 17 ] . ولو لم تحصل النعمة ، لم يلزم من عدم إقدامهم على الشكر محذور ؛ لأن الشكر لا يمكن إلا عند حصول النعمة . الفائدة الثالثة : قال ابن الخطيب - - : قوله تعالى : { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } يدل على إمامة أبي بكر - ه ؛ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية : ( اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ) والله - تعالى - قد بين في آية أخرى أن { الذين أنعمت عليهم } من هم ؛ بقوله تعالى : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } [ النساء : 69 ] ورئيسهم أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - فكان معنى الآية أن الله - تعالى - أمرنا أن نطلب الهداية [ التي كان عليها أبو بكر الصديق ، وسائر الصديقين ، ولو كان أبو بكر - ه - فكان معنى الآية أن الله - تعالى - امرنا أن نطلب الهداية [ التي كان عليها أبو بكر الصديق ، وسائر الصديقين ، ولو كان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - غير إمام ، لما جاز الاقتداء به ] ، وهذه النعمة إما أن يكون المراد منها نعمة الدنيا ، أو نعمة الدين ، والأول باطل فثبت أن المراد منه نعمة الدين . فنقول : كل نعمة دينية سوى الإيمان فهي مشروطة بحصول الإيمان ، وأما نعمة الإيمان فيمكن حصولها خاليا عن سائر النعم الدينية ، وهذا يدل على أن المراد من قوله تعالى : { أنعمت عليهم } هو نعمة الإيمان ، فرجع حاصل القول في قوله تعالى : { 1649 ; هدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } أنه طلب لنعمة الإيمان ، وإذا ثبت هذا الأصل ، فيتفرع عليه أحكام : الأول : أنه لما ثبت أن المراد من هذه النعمة نعمة الإيمان ، إذ لفظ الآية الكريمة صريح في أن الله - تعالى - هو المنعم بالنعمة ، ثبت أن الخالق للإيمان ، والمعطي للإيمان هو الله تعالى ، وذلك يدل على فساد قول المعتزلة ، وكان الإيمان أعظم النعم ، فلو كان الفاعل للإيمان هو العبد لكان إنعام العبد أشرف وأعلى من إنعام الله تعالى ، ولو كان كذلك لما حسن من الله - تعالى - أن يذكر إنعامه في معرض التعظيم . الحكم الثاني : يجب ألا يبقى المؤمن مخلدا في النار ؛ لأن قوله : { أنعمت عليهم } مذكور في معرض التعظيم بهذا الإنعام ، ولو لم يكن له أثر في دفع العذاب المؤبد لكان قليل الفائدة ، فما كان يحسن من الله - تعالى - ذكره في معرض التعظيم . الحكم الثالث : دلت الآية الكريمة على أنه لا يجب على الله - تعالى - رعاية [ الصلاح والأصلح ] في الدين ؛ لأنه لو كان الإرشاد على الله - تعالى - واجبا لم يكن ذلك إنعاما ، وحيث سماه الله - تعالى - إنعاما علمنا أنه غير واجب . الحكم الرابع : لا يجوز أن يكون المراد بالإنعام الإقدار على الإيمان ؛ لأن الله - تبارك وتعالى - قدر المكلف عليه ، وأرشده إليه ، وأزاح أعذاره وعلله عنه ، لأن كل ذلك حاصل في حق الكفار ، فلما خلص - تعالى - بعض المكلفين بهذا الإنعام ، مع أن الإقدار ، وإزاجة العلل حاصل في حق الكل ، علمنا أن المراد ليس هو الإقدار ، وإزاحة الموانع . قوله تعالى : { غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } ( غير ) بدل من ( الذين ) بدل نكرة من معرفة . وقيل : نعت ل ( الذين ) ، وهو مشكل ؛ لأن ( غير ) نكرة و ( الذين ) معرفة ، وأجابوا عنه بجوابين : أحدهما : أن ( غير ) إنما يكن نكرة إذا لم يقع بين ضدين ، فأما إذا وقع بين ضدين فقد انحصرت الغيرية ، فيتعرف ( غير ) حينئذ بالإضافة ، تقول : ( مررت بالحركة غير السكون ) والآية من هذا القبيل ، وهذا إنما يتمشى على مذهب ابن السراج ، وهو مرجوح . والثاني : أن الموصول أشبه النكرات في الإبهام الذي فيه ، فعومل معاملة النكرات . وقيل : إن ( غير ) بدل من المضمر المجرور في ( عليهم ) ، وهذا يشكل على قول من يرى أن البدل يحل محل المبدل منه ، وينوي بالأول الطرح ؛ إذ يلزم منه خلة الصلة من العائد ، ألا ترى أن التقدير يصير : ( صراط الذين أنعمت على غير المغضوب عليهم ) . و ( المغضوب ) خفض بالإضافة ، وهو اسم مفعول ، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور ، ف ( عليهم ) الأولى منصوبة المحل ، والثانية مرفوعته ، و ( أل ) فيه موصولة ، والتقدير : ( غير الذين غضب عليهم ) . والصحيح في ( أل ) الموصولة أنها اسم لا حرف . واعلم أن لفظ ( غير ) مفرد مذكر أبدا ، إلا أنه إن أريد به مؤنث جاز تأنيث فعله المسند إليه ، نقول : ( قامت غيرك ) ، وأنت تعني امرأة ، وهي في الأصل صفة بمعنى اسم الفاعل ، وهو مغاير ، ولذلك لا تتعرف بالإضافة ، وكذلك أخواتها ، أعني نحو : ( مثل وشبه وشبيه وخذن وترب ) . وقد يستثنى بها حملا على ( إلا ) كما يوصف ب ( إلا ) حملا عليها ، وقد يراد بها النفي ك ( لا ) ، فيجوز تقديم معمولها عليها ، كما يجوز في ( لا ) تقول : ( أنا زيدا غير ضارب ) أي : غير ضارب زيدا ؛ ومنه قول الشاعر : [ البسيط ] 84 - إن امرءا خصني عمدا مودته . . . على التنائي لعندي غير مكفور تقديره : غير مكفور عندي ، ولا يجوز ذلك فيها إذا كانت لغير النفي . لو قلت : ( جاء القوم زيدا غير ضارب ) ، تزيد : غير ضارب زيدا لم يجز ؛ لأنها ليست بمعنى ( لا ) التي لا يجوز فيها ذلك على الصحيح من الأقوال في ( لا ) . وفيها قول ثان يمنع ذلك مطلقا . وقول ثالث : يفصل بين أن تكون جواب قسم ، فيمتنع فيها ذلك ، وبين ألا يكون فيجوز . وهي من الألفاظ اللازمة للإضافة لفظا وتقديرا ، فإدخال الألف واللام عليها خطأ . واختلفوا هل يجوز دخول ( أل ) على ( غير وبعض وكل ) والصحيح جوازه . قال البغوي - تعالى - : ( غير ) ها هنا بمعنى ( لا ) و ( لا ) بمعنى ( غير ) ، ولذلك جاز العطف عليها ، كما يقال : ( فلان غير محسن ولا مجمل ) ، فإذا كان ( غير ) بمعنى ( لا ) ، فلا يجوز العطف عليها ب ( لا ) ؛ لا يجوز في الكلام : ( عندي سوى عبد الله ولا زيد ) . وقرىء : ( غير ) نصبا ، فقيل : حال من ( الذين ) وهو ضعيف ؛ لمجيئه من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذلك ، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى : وقيل : من الضمير في ( عليهم ) . وقيل على الاستثناء المنقطع ، ومنعه الفراء ؛ قال : لأن ( لا ) لا تزاد إلا إذا تقدمها نفي ، كقول الشاعر : [ البسيط ] 85 - ما كان يرضى رسول الله فعلهما . . . والطيبان أبو بكر ولا عمر وأجابوا بأن ( لا ) صلة زائدة مثلها في قوله تعالى : { قال ما منعك ألا تسجد } [ الأعراف : 12 ] ؛ وقول الشاعر : [ الرجز ] 86 - فما ألوم البيض ألا تسخرا . . . وقول الآخر : [ الطويل ] 87 - ويلحينني في اللهو ألا أحبه . . . وللهو داع دائب غير غافل وقول الآخر : [ الطويل ] 88 - أبى جوده لا البخل واستعجلت به . . . نعم من فتى لا يمنع الجود نائله ف ( لا ) في هذه المواضع كلها صلة . وفي هذا الجواب نظر ؛ لن الفراء لم يقل : إنها غير زائدة ، وقولهم : إن ( لا ) زائدة في الآية ، وتنظيرهم بالمواضع المتقدمة لا تفيد ، وإنما تحرير الجواب أن يقولوا : وجدت ( لا ) زائدة من غير تقدم نفي ، كهذه المواضع المتقدمة . ويحتمل أن تكون ( لا ) في قوله : ( لا البخل ) مفعولا به ل ( أبى ) ، ويكون نصب ( البخل ) على أنه بدل من ( لا ) أي : أبى جوده قول لا ، وقول : لا هو البخل ، ويؤيد هذا قوله : ( واستعجلت به نعم ) فجعل ( نعم ) فاعل ( استعجلت ) ، فهو من الإسناد اللفظي ، أي : إلى وجود هذا اللفظ ، واستعجل به هذا اللفظ . وقيل : إن نصب ( غير ) بإضمار أعني . ويحكى عن الخليل ، وقدر بعضهم بعد ( غير ) محذوفا قال : التقدير : ( صراط المغضوب ) ، وأطلق هذا التقدير ، فلم يقيده بجر ( غير ) ، ولا نصبه ولا يتأتى ذلك إلا مع نصبها ، وتكون صفة لقوله تعالى : { الصراط المستقيم } وهذا ضعيف ؛ لأنه متى اجتمع البدل والوصف قدم الوصف ، فالأولى أن تكون صفة ل ( صراط الذين ) ، ويجوز أن تكون بدلا من ( الصراط المستقيم ) ، أو من ( صراط الذين ) إلا أنه يلزم منه تكرار البدل ، وفي جوازه نظر ، وليس في المسألة نقل ، إلا انهم قد ذكروا ذلك في بدل البداء خاصة ، أو حالا من ( الصراط ) الأول أو الثاني . واعلم أنه حيث جعلنا ( غير ) صفة فلا بد من القول بتعريف ( غير ) ، أو إبهام الموصوف ، وجريانه مجرى النكرة ، كما تقدم تقريره ذلك في القراءة بجر ( غير ) . و ( لا ) في قوله تعالى : { ولا الضآلين } زائدة لتأكيد معنى النفي المفهوم من ( غير ) لئلا يتوهم عطف ( الضالين ) على ( الذين أنعمت ) . وقال الكوفيون : هي بمعنى ( غير ) وهذا قريب من كونها زائدة ، فإنه لو صرح ب ( غير ) كانت للتأكيد أيضا ، وقد قرأ بذلك عمر بن الخطاب وأبي هما . و ( الضالين ) مجرور عطفا على ( المغضوب ) ، وقرىء شاذا ( الضألين ) ، بهمز الألف ؛ وانشدوا : [ الطويل ] 89 - وللأرض أما سودها فتجللت . . . بياضا ، وأما بيضها فادهأمت قال الزمخشري ( : ) وفعلوا ذلك ، للجد في الهرب من التقاء الساكنين ( . وقد فعلوا ذلك حتى لا ساكنان ؛ قال الشاعر : [ الرجز ] 90 - وخندف هامة هذا العألم . . . بهمز ) العألم ( . وقال آخر : [ البسيط ] 91 - ولى نعام بني صفوان زورأة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بهمز ألف ) زورأة ( ، والظاهر أنها لغة مطردة ؛ فإنهم قالوا في القراءة ابن ذكوان : ) منسأته ( بهمز ساكنة : إن اصلها ألف ، فقلبت همزة ساكنة . فإن قيل : لم أتى بصلة ) الذين ( فعلا ماضيا ؟ قيل : ليدل ذلك على ثبوت إنعام الله - تبارك وتعالى - عليهم وتحقيقه لهم ، وأتى بصلة ) أل ( اسما ليشمل سائر الأزمان ، وجاء مبنيا للمفعول ؛ تحسينا للفظ ؛ لأن من طلبت منه الهداية ، ونسب الإنعام إليه لا يناسبه نسبة الغضب إليه ، لأنه مقام تلطف ، وترفق لطلب الإحسان ، فلا يحسن مواجهته بصفة الانتقام . والإنعام : إيصال الإحسان إلى الغير ، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه الإحسان من العقلاء ، فلا يقال : أنعم فلان على فرسه ، ولا حماره . والغضب : ثوران دم القلب إرادة الانتقام ، ومنه قوله : ) اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم ، ألم تر إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه ( . وإذا وصف به الباري - تبارك وتعالى - فالمراد به الانتقام لا غيره . قال ابن الخطيب - تعالى - : هنا قاعدة كلية ، وهي أن جميع الأعراض النفسانية - أعني الرحمة ، والفرح ، والسرور ، والغضب ، والحياء ، والعتو ، والتكبر ، والاستهزاء - لها أوائل ولها غايات . ومثاله : الغضب : فإن أول غليان دم القلب ، وغايته : إرادة إيصال الضرر إلى [ المغضوب عليه ، فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب ، بل على غايته الذي هو إرادة الإضرار ، وأيضا الحياء ] له أول وهو انكسار النفس ، وهذه قاعدة شريفة في هذا الباب . ويقال : فلان غضبة : إذا كان سريع الغضب . ويقال : غضبت لفلان إذا كان حيا وغضبت به إذا كان ميتا . وقيل : الغضب تغير القلب لمكروه . وقيل : إن أريد بالغضب العقوبة كان صفة فعل ، وإن أريد به إرادة العقوبة كانت صفة ذات . والضلال : الخفاء والغيبوبة . وقيل : الهلاك ، فمن الأول قولهم : ضل الناء في اللبن . [ وقال القائل ] : [ الوافر ] 92 - ألم تسأل فتخبرك الديار . . . عن الحي المضلل أين ساروا ؟ ) والضلضلة ( : حجر أملس يرده السيل في الوادي . ومن الثاني : { أإذا ضللنا في الأرض } [ السجدة : 10 ] ، وقيل : الضلال : العدول عن الطريق المستقيم ، وقد يعبر به عن النسيان كقوله تعالى : { أن تضل إحداهما } [ البقرة : 282 ] بدليل قوله : { فتذكر } [ البقرة : 282 ] . التفسير : قيل : ( المغضوب عليهم ) هم اليهود . وقيل : ( الضالون ) هم النصارى ؛ لأن الله - تعالى - حكم على اليهود بالغضب فقال تعالى : { من لعنه الله وغضب عليه } [ المائدة : 60 ] ، وحكم على النصارى بالضلال فقال تعالى : { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل } [ المائدة : 77 ] . وقيل : هذا ضعيف ؛ لأن منكري الصانع والمشركين أخبث دينا من اليهود والنصارى ، فكان الاحتراز من دينهم أولى . وقيل : ( المغضوب عليهم ) : هم : الكفار ، و ( الضالون ) : هم المنافقون . وقال سهل بن عبد الله هما : ( غير المغضوب عليهم ) بالبدعة ، ( والضالين ) عن السنة . والأولى أن يحمل ( المغضوب عليهم ) على كل من أخطأ في الإعتقاد ؛ لأن اللفظ عام ، والتقييد خلاف الأصل .
فصل في عصمة الأنبياء والملائكة
قال ابن الخطيب - تعالى - : ( غير المغضوب عليهم ) يدل على أن أحدا من الملائكة ، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ما أقدم على عمل مخالف قول الدين ، ولا على اعتقاد مخالف اعتقاد دين الله ؛ لأنه لو صدر عنه ذلك لكان قد ضل عن الحق ، لقوله تعالى : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } [ يونس : 32 ] ، ولو كانوا ضالين لما جاز الاقتداء بهم ، ولا بطريقهم ، ولكانوا خارجين عن قوله تعالى : { أنعمت عليهم } ، ولما كان ذلك باطلا علمنا بهذه الآية عصمة الملائكة ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
فضل في إضافة الغضب لله
قالت المعتزلة : غضب الله - تعالى - عليهم يدل على كونهم فاعلين للقبائح باختيارهم ، وإلا لكان الغضب عليهم ظلما من الله - تعالى - عليهم . وقال أصحابنا - رحمهم الله تعالى - : لما ذكر غضب الله عليهم ، وأتبعه بذكر كونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله - تعالى - عليهم علة لكونهم ضالين ، وحينئذ تكون صفة الله - تعالى - مؤثرة في صفة العبد . أما لو قلنا : إن كونهم ضالين يوجب غضب الله - تعالى - عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى ، وذلك محال .
فصل
Page 226