Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
تعالى : ' نعبد ' إما أن تكون نون الجمع , أو نون العظمة , والأول باطل , لأن الشخص الواحد لا يكون جمعا , والثاني باطل أيضا ؛ لأن عند أداء العبودية , اللائق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة . | واعلم أنه يمكن الجواب عنه من وجوه : | أحدها : أن المراد من هذه النون نون الجمع , وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان , أن يؤدي الصلاة بالجماعة . | الثاني : أن الرجل إن كان يصلي في جماعة , فقوله : ' نعبد ' , المراد منه ذلك الجمع , وإن كان يصلي الصلاة بالجماعة . | الثالث : أن المؤمنين إخوة , فلو قال : ' إياك أعبد ' كان قد ذكر عبادة نفسه , ولم يذكر عبادة غيره , أما إذا قال : ' إياك نعبد ' كان قد ذكر عبادة نفسه , وعبادة جميع المؤمنين شرقا وغربا . { س 1 ش 6 / ش 7 اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } | اهد : صيغة أمر , ومعناها : الدعاء , فقيل معناه : أرشدنا . | وقال علي : وأبي بن كعب - رضي الله عنهما - ثبتن ؛ كما يقال للقائم : قم حتى أعود إليك , أي : دم على ما أنت عليه , وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التثبيت , وبمعنى طلب مزيد الهداية ؛ لأن الألطاف والهدايات من الله - تعالى - لا تتناهى على مذهب أهل السنة . | قال ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - : المراد من قوله تعالى : ' اهدنا الصراط المستقيم ' هو : أن يكون الإنسان معرضا عما سوى الله - تعالى - مقبلا بكلية قلبه وفكره وذكره على الله تعالى . | مثاله : أن يصير بحيث لو أمر بذبح غيره , لأطاع ؛ كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام , ولو أمر بأن ينقاد , لأن يذبحه غيره , لأطاع ؛ كما فعله إسماعيل عليه الصلاة والسلام , ولو أمر بان يلق ] نفسه في البحر , لأطاع ؛ كما فعله يونس عليه الصلاة والسلام , ولو أمر بأن يتلمذ لمن هو أعلم منه بعد بلوغه في المنصب إلى أعلى الغايات , لأطاع ؛ كما فعله موسى - عليه الصلاة والسلام - مع الخضر [ عليه الصلاة والسلام ] , ولو أمر بأن يصبر في المر بالمعروف , والنهي عن المنكر على القتل , والتفريق بنصفين , لأطاع ؛ كما فعله يحيى بن زكريا - عليهما الصلاة والسلام - فالمراد بقوله تعالى ' اهدنا الصراط المستقيم ' , هو الاقتداء بأنبياء الله في الصبر على الشدائد , والثبات عند نزول البلاء , ولا شك أن هذا مقام شديد ؛ لأن أكثر الخلق لا طاقة لهم به . | واعلم أن صيغة ' أفعل ' تر لمعان كثيرة ذكرها الأصوليون . | وقال بعضهم : إن وردت صيغة ' افعل ' من الأعلى للأدنى , قيل فيها : أمر , وبالعكس دعاء , ومن المساوي التماس , وفاعله مستتر وجوبا , لما مر , أي : اهد أنت , و ' نا ' مفعول أول , وهو ضمير متصل يكون للمتكلم مع غيره , أو المعظم نفسه , ويستعمل في موضع : الرفع , والنصب , والجر , بلفظ واحد ؛ نحو : ' قمنا ' , و ' ضربنا زيد ' , و ' مر بنا ' , ولا يشاركه في هذه الخصوصية غيره من الضمائر . | وقد زعم بعض الناس أن الياء كذلك ؛ تقول : ' أكرمني ' , و ' مر بي ' , و ' أنت تقومين يا هند ' , و ' الياء ' في المثال الأول منصوبة المحل , وفي الثاني مجرورته , وفي الثالث مرفوعته , وهذا ليس بشيء ؛ لأن الياء في حالة الرفع , ليست تلك الياء التي في حالة النصب والجر ؛ لأن الأولى للمتكلم , وهذه المخاطبة المؤنثة . | وقيل : بل يشاركه لفظ هم ؛ تقول : ' هم نائمون ' و ' ضربتهم ' و ' مررت بهم ' , ف ' هم ' مرفوع المحل , ومنصوبه , ومجروره بلفظ واحد , وهو للغائبين في كل حال , وهذا وإن كان اقرب من الأول , إلا أنه في حالة الرفع ضمير منفصل , وفي حالة النصب والجر ضمير متصل . فافترقا , بخلاف ' نا ' فإن معناها لا يختلف , وهي ضمير متصل في الأحوال الثلاثة . | و ' الصراط ' مفعول ثان , و ' المستقيم ' صفته , وقد تبعه في الأربعة من العشرة المذكورة . | وأصل ' هدى ' أن يتعدى إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف الجر , وهو إما : ' إلى ' أو ' اللام ' ؛ كقوله تعالى : { وإنك لتهدي ? إلى ? صراط مستقيم } [ الشورى : 52 ] , { يهدي للتي هي أقوم } [ الإسراء : 9 ] ثم يتسع فيه , فيحذف الجر , فيتعدى بنفسه , فأصل ' اهدنا الصراط ' : إهدنا للصراط أو إلى الصراط , ثم حذف . والأمر عند البصريين مبني وعند الكوفين معرب , ويدعون في نحو : ' اضرب ' , أن أصله : ' لتضرب ' بلام الأمر , ثم حذف الجازم , وتبعه حرف المضارعة , وأتي بهمزة الوصل ؛ لأجل الابتداء بالساكن , وهذا مما لا حاجة إليه , وللرد عليهم موضع يليق به . ووزن ' اهد ' ' افع ' ؛ حذفت لامه , وهي الياء حملا [ للأمر على المجزوم , والمجزوم تحذف ] منه لامه إذا كانت حرف علة . | ومعنى الهداية : الإرشاد أو الدلالة , أو التقدم . ومنه هواد الخيل لتقدمها . قال امرؤ القيس : [ الطويل ] | 70 - فالحقنا بالهاديات ودونه | جواحرها في صرة لم تزيل
Page 204