Durūs lil-Shaykh Suʿūd al-Shuraym
دروس للشيخ سعود الشريم
قضاء الإسلام على عبادة الأوثان
لقد أضاء النبي ﷺ الطريق وأوضح السبيل، وطهر الله به جزيرة العرب من رجس الوثنية، وهيمنة الأصنام والتماثيل، وكان كبير هذه الأصنام هبل وهو بأعلى مكة وحوله ثلاثمائة وستون صنمًا كلها من الحجارة، فطعن فيها المصطفى ﷺ بيده الشريفة حين دخوله الكعبة يوم الفتح وهو يردد قول الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] .
يقول القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: فيها دليل على كسر نصب المشركين، وجميع الأوثان إذا غلب عليها.
يقول ابن المنذر ﵀: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من الدر والخشب وشبهها.
عباد الله: لقد حطم رسول الله ﷺ الأصنام حول الكعبة وبعض الصحابة كان يردد:
يا عزى! كفرانك لا غفرانك إني رأيت الله قد أهانك
ويبعث رسول الله ﷺ سراياه إلى الأصنام التي كانت حول مكة، ونادى مناديه بـ مكة قائلًا: [[من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنمًا إلا كسره]] فيبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: ﴿هل رأيت شيئًا؟ قال: لا.
قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها، فرجع خالد وهو متغيظ فجرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عجوز عريانة سوداء، ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزلها باثنتين، ورجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره فقال: نعم تلك العزى وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدًا﴾ رواه النسائي.
ثم بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى سواع وهو صنم لهذيل فاعترضه السادن فقال: لا تستطيع أن تقتله، فإنك ستمنع منه، فدنا منه ﵁ فكسره فأسلم السادن بعد ذلك.
وبعث رسول الله ﷺ سعيد بن زيد إلى مناةٍ فهدمها، ولما أراد النبي ﷺ المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين ليهدمه فهدمه، وجعل يحشي النار في وجهه ويحرقه ويقول:
يا ذا الكفين! لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حششت النار في فؤادكا
ثم بعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب إلى الفلس؛ وهو صنم لطيء، فهدمه هو ومن معه.
وكما بعث جرير بن عبد الله البجلي في سرية لكسر صنم ذي الخلصة بـ اليمن.
بهذا كله -عباد الله- يجدد رسول الله ﷺ ملة أبيه إبراهيم وإخوانه الأنبياء، فلقد قال إبراهيم سائلًا ربه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] وقال لقومه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧] .
ويجدد النبي ﷺ فعل موسى مع السامري حين قال له: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٧] .
أيها المسلمون: لقد كانت مواقف النبي ﷺ من الأصنام والتماثيل بارزةً للعيان قولًا وفعلًا، بل إنه لم يقتصر كسره للأصنام على ما عبد من دون الله، أو على ما عظم كتعظيم الله فحسب، بل تعداه إلى التماثيل التي تتخذ في البيوت ونحوها، على هيئة الاقتناء والزينة ولو لم تعبد، فقد جاء عند أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه على باب البيت تماثيل -الحديث وفيه:- أن جبريل أمره برءوس التماثيل أن تقطع فتصير كهيئة الشجر﴾ .
ومعلوم -عباد الله- أنه لا يقول عاقل ألبتة: أن النبي ﷺ قد اتخذ هذا التمثال للعبادة أو للتعظيم، وإنما كان لمجرد الاقتناء، كيف لا، وقد سأله
37 / 4