238

Durūs lil-Shaykh Suʿūd al-Shuraym

دروس للشيخ سعود الشريم

أسباب الحياة الهانئة
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا له عبد، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من صلى لله وتعبد، وقام وتهجد، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن لله تعبد.
أما بعد:
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه، فإنها دليل الحيران، وري الظمآن، وأنيس الولهان، بها يسمو المرء ويرتفع، وتصقل النفس وتنتفع، هي الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال.
أيها الناس: إن إعطاء المرء المسلم نفسه، شيئًا من فرص المناصحة، وأوقات المراجعة وسط دواوين السنة المطهرة، ومن ثم حمل نفسه على أن يقف وقوفًا دقيقًا عند حديث رسول الله ﷺ المنبعث من مشكاة النبوة ليعرف أسراره، ويستضيء بأنواره، حتى تنشرح النفس وتصفو، فتؤمن بالنبي المصطفى والرسول المجتبى صلوات الله وسلامه عليه، وتتبع النور الذي أنزل معه، إنه ولا شك سيقرأ أو يسمع كلامًا صريحًا، لا فلسفة فيه ولا تعقيد، كلامًا يقرر أن حقيقة الإنسان المسلم ومكانته العالية وحياته المستقرة الخالصة من المكدرات المزمنة، والشوائب العالقة، لن تكون فيما ينال من لذة عارضة، أو صبوة سانحة، أو انفلاتٍ من مسلماتٍ يظنها الأغرار نوعًا من القيود والتحجير، كلا.
فالأمر ليس كذلك يا عباد الله! بل إن المطلع على سنة المصطفى ﷺ لن يجد إلا ما يسره، ويرسم له طريق الحياة المختصر، الذي يسرع بوصوله إلى الغاية العظمى ورؤية الرب ﵎.
يقول المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿من أصبح آمنًا في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾ رواه الترمذي وابن ماجة والبخاري في الأدب المفرد.
لله أكبر! إنها كلمات يسيرات، لكنها حوت معنى الحياة الحقة والاستقرار الدائم، بل إنها كلماتٌ ترسم للمرء صورة الحياة بقضها وقضيضها، وحلوها ومرها، وسهلها وصعبها، على أنها لا تتجاوز هذه المعايير الثلاثة، والتي لا يمكن لأي كائنٍ بشريٍ عاقل أن يتصور الحياة الدنيوية الهانئة بدون توافرها، وهي: أمن المرء في سربه -أي: في بيته ومجتمعه- ومعافاته في بدنه، وتوفر قوت يومه.
إنها عبارات سهلة على كل لسان، غير أن وصف النبي ﷺ لها بكونها تعادل حيازة الدنيا بحذافيرها، يجعل كل واحدٍ منا يتأمل، ويدقق النظر في أبعاد هذه المعاني وتنزيلها على واقع حياتنا جميعًا، ومدى تأثيرها فينا وجودًا وعدمًا، إيجابًا وسلبًا.

29 / 2