217

Durūs liʾl-Shaykh Saʿīd b. Misfar

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

إخبار الله عن شدة الخوف والفزع فيه
الثاني من الأمور التي تدل على هول يوم القيامة: أن الله ﷿ أخبر بأن الرعب والفزع والهلع والخوف يصيب العباد في ذلك اليوم، فالمرضع تذهل عن وليدها، وهذا تعبير به إذ لا يمكن في الدنيا أن تترك ولدها أبدًا فلو حصل وأنت جالس في البيت لا سمح الله وسقط سقف البيت، كل شخص من الجالسين في المجلس وهم يسمعون الانهيار يهربون، لكن المرضع لا تشرد إلا وولدها في يدها، نعم.
لا يمكن أن تشرد لوحدها وتترك ولدها، ولو شردت ثم ذكرت ولدها رجعت تأخذ ولدها ولو ماتت.
لكن في يوم القيامة لعظمه: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:٢] ووضع الحمل لا يأتي إلا من شدة الخوف، المرأة إذا بلغها أمر خطير جدًا وكبير تُسقط، هذه تُسقط لكن لا تضع الحمل الكامل، أما هذه الحامل التي لا ينتظرها شيء لكن ما آن الأوان لأن تضع الحمل، أمر خارج عن إرادتها من أهوال يوم القيامة.
وأيضًا يَحصل للناس نوع من الهلع؛ لدرجة أنهم يصبحون كالمجانين، قال الله ﷿: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] ولشدة الهول تشخص أبصار الناس خصوصًا الظلمة منهم؛ لشدة الرعب، ولا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا، ولا يخفضون أبصارهم، يقول الله ﷿: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣].
وترتفع قلوبهم -والعياذ بالله- إلى حناجرهم، فلا تخرج ولا ترجع، يقول الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩] ويقول: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات:٨ - ٩] وحسبك أن تعلم أن من لم يبلغ الحُلم ولم يدر ما الأمر ولم يبلغه النهي ولا يعرف الدين؛ صغير، لكن لما يخرج وهو يبعث يرى الأهوال هذه فيشيب رأسه، يقول الله ﵎: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧] يشيب الصغير، فكيف بي وبك! إنا لله وإنا إليه راجعون!

8 / 9