212
بعض آداب قراءة القرآن
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين له بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عباد الله: شهر رمضان هو شهر القرآن، وأنتم أمة القرآن وحملة القرآن، ينبغي أن تُعْرَفوا بليلكم إذا الناس ينامون، وبنهاركم إذا الناس يكدون ويلهون ويلعبون، وببكائكم إذا الناس يضحكون، وبورعكم إذ الناس يخلطون، وبتواضعكم إذ الناس يختالون، وبصمتكم إذ الناس يخوضون، وبحزنكم إذ الناس يفرحون، لسان حال الواحد منكم يخاطب نفسه ويقول:
وَيْحُكِ يا نَفْسُ أَلاَ تَيَقَّظِي للنفع قبل أن تزل قدمي
مضى الزمان في ثوانٍ وهوى فاستدركي ما قد بقي واغتنمي
أُمَّة القرآن: لتلاوة القرآن آداب نقف عندها وقفات قصيرة علَّ الله أن ينفع بها.
وأولها بل جماعها: الإخلاص لله، فمن قرأه رياءً أو سمعة كبه الله على وجهه في النار.
ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: ﴿يؤتى بحامل القرآن رياءً فيقول الله له: ماذا عملت؟ قال: تعلَّمت فيك القرآن وعلَّمته، قال: كذبت وإنما تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ، فقد قيل ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار﴾ فلا إله إلا الله! لا يُقْرَأ القرآن إلا لوجه الله، فأخلصوا النية في قراءته تؤجروا وتثابوا وتكونوا مع السفرة الكرام البررة ويشفع لكم يوم القيامة، فيقول: يا رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفع فيه القرآن.
ومن آداب التلاوة: أن يقرأ على طهارة؛ لأن ذلك من تعظيم كلام الله ﷿، فإذا تطهر العبد فليُرتل وليتدبر القرآن، ولا يقرأه في أماكن مستقذرة، أو في جمع لا ينصت فيه له؛ لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له، والقرآن مُنَّزه عن ذلك؛ لأنه كلام الله.
وليستعذ القارئ بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة، يقول ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨] ولتحضر قلبك عند تلاوة القرآن، ولتعلم أن الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الإنس والجان، فامتثل أمره واجتنب نهيه.
ولا ترفع صوتك إن كان حولك من يُصلي أو يتلو فتشوش عليهم، وهذا ما يقع فيه البعض وهو من علامة الجهل وعدم الفقه في الدين، يأتي أحدهم ليقرأ فيرفع صوته ليشوش على المصلي في صلاته، وعلى التالي في تلاوته، وعلى الذاكر في ذكره، وكأن ليس في المسجد سواه، أَلاَ إن كان بجانبك من يستمع منك فلا بأس أن تسمعه، وإن كان بجانبك مصلي فإياك أن ترفع صوتك لئلا تُشَوِّشْ عليه واسمع للمصطفى ﷺ يوم يخرج على الناس وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فيقول: ﴿كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض، لا يؤذي بعضكم بعضا﴾ أو كما قال ﷺ.
واسمع إلى الإمام مالك ﵀ يوم يقول: أرى في من يرفع صوته ويُشوش على المصلين أن يُضْرَْب ويُخْرَج من المسجد.
ومن آداب التلاوة: أن يكون للعبد المسلم حزب من القرآن فأكثر، لا يَفْتُرْ عنه يوميًا لو تغير كل شيء في الكون ما تغير عن حزبه، فهو علامة الإيمان، ألا فليكن لكل واحدٍ منا في كل يوم حزب لا يتركه أبدًا، لتعظم الصلة بالقرآن وبرب القرآن والإنس والجان.
ومِن آدابه: أن يُعَلَّم الناس ما تعلمناه منه، وحظنا من تعليمه الأجر والمثوبة، ولنبدأ بتعليم أبنائنا وبناتنا وإخواننا وأمهاتنا وآبائنا فهم رعايانا، ونحن عنهم مسئولون وأمام الله محاسبون.
يقول ﷺ: ﴿وما من راع استرعاه الله رعية فبات غاشًا لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة﴾ ومن أعظم الغش ألا تعلِّم من استرعاك الله عليه القرآن.
ويا من حمل القرآن: إياك إياك أن تخالف أمره، فإن رسول الله ﷺ يقول: ﴿يُمَثَّلُ القرآن يوم القيامة رجلًا، فيُؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره، فيُمَثَّل له خَصْمًا -ومن ذا يُخاصِمُ القرآن؟! - فيقول القرآن: يا رب! حَمَّلْتَه إياي فبئس الحامل، تعدَّى حدودي، وضيَّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يخلف عليه بالحُجَجِ حتى يقال شأنك به، فيأخذه بيده فما يُرسله حتى يُكِّبه على وجهه في النار﴾ نعوذ بالله من النار.
يا أمة القرآن: في شهر القرآن: قفوا عند أحكام القرآن واتلوه في كل حين وآن، فهو شافع مشفع مَن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار وبئس القرار.

14 / 11