Durūs lil-Shaykh ʿAlī al-Qarnī
دروس للشيخ علي القرني
همة حبر الأمة في الطلب
عن عكرمة ﵁ وأرضاه، قال: قال ابن عباس: [[لما قبض رسول الله ﷺ وأنا شاب قلت لشاب آخر معي من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ﷺ، ولنتعلم منهم، فإنهم اليوم كثير، فقال: يا عجبًا لك يا ابن عباس! أترى أن الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله ﷺ من فيهم]] يعني: أن العلماء موجودون، وصحابة رسول الله ﷺ كثير، أتظن يا ابن عباس أن الناس يحتاجون إليك، وأنت شاب صغير في الثالثة عشرة من عمرك؟
وهذه في الحقيقة كلمة فيها تثبيط، وكثيرًا ما نسمعها من طلبة العلم اليوم، فنجد بعض طلبة العلم لا يجتهد في الطلب، ولا يترك أحدًا يجتهد، ولا يعين مجتهدًا، بل يكون همه التثبيط، فإذا رأى طالب علم شمر عن ساعد الجد واجتهد في طلبه للعلم لينال فيه القدح المعلا، تجده يفتنه فيه في الغالب حتى يصرفه عن حلقات العلم، وحتى يصرفه عن تحصيل العلم، فلا هو بالذي حصَّل بنفسه ولا هو الذي حث غيره، وهذا لم يكف المسلمين من شره ولم يجتهد هو في الخير، وهذه من شر الخصال، والواجب على المسلم أن يتقي الله، وأن يطلب العلم بنفسه ويحث غيره، فإن عجز فلا أقل من أن يطلب العلم، فإن عجز فلا أقل من أن يكف الناس من شره، ولا يثبط طالب علم مشمر عن ساعد الجد سالك السبيل.
والعبرة في قصة ابن عباس أنه لم ينثنِ، ولم ينفتل، ولم يتراجع عن عزيمته القوية على طلب العلم، ولم يصغ إلى كلام هذا الشاب الأنصاري الذي أراد أن يصرفه عن ذلك، ويقول له: اقعد، فالعلماء كثير وأبو بكر موجود وعمر وعثمان وعلي، والعلماء كثر، ولن يحتاج الناس إليك، لم يسمع لكلامه، بل شمر ابن عباس عن ساعد الجد وطلب العلم.
يقول ابن عباس: [[فترك ذاك -يعني: ترك العلم- وأقبلت أنا على المسألة -يعني: أقبل يسأل العلماء من الصحابة من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من علماء الصحابة؛ يجمع منهم ويروي عنهم أحاديث رسول الله ﷺ قال: فإن كنت لآتي الرجل في الحديث الواحد يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ]].
في أيامهم ﵃ لم يكن العلم ميسرًا كما هو الآن، فتجد الواحد منا يمسك صحيح البخاري ويجد فيه خمسة آلاف حديث، وصحيح مسلم، وغيرها من كتب الحديث، كلها موجودة بين أيدينا في ورق، في مكان صغير يجتمع عشرات الألوف من أحاديث رسول الله ﷺ يصل إليها الإنسان بكل سهولة، أما الصحابة فلم تكن عندهم كتب، ولم تكتب أحاديث رسول الله ﷺ، إنما الذي كتب القرآن الكريم فقط، فكان الواحد منهم يسمع أن فلان بن فلان من الصحابة عنده حديث، فيسافر إليه سفرًا طويلًا من أجل أن يأخذ عنه هذا الحديث، يقول ابن عباس: [[فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ، فأجده قائلًا -يعني: نائمًا وقت القيلولة في منتصف النهار- فأتوسد ردائي على بابه -فلا يطرق عليه بابه في وقت من أوقات العورات التي قال الله ﷿ فيها: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور:٥٨] قال: فإن كنت لآتي الرجل في حديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله ﷺ، فأجده قد قال: فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح على وجهي التراب]] ﵁ وأرضاه، وهو ابن عم رسول الله ﷺ، ينام ويتوسد رداءه على بيت عالم من علماء الصحابة من أجل ألا يطرق عليه الباب فيزعجه ويوقظه من نومه، بل ينتظره عند بابه ويتوسد رداءه، فتأتي الريح فتسفي عليه التراب وهو ينتظر أن يخرج الرجل من بيته حتى يسأله عن حديث واحد ﵁ وأرضاه.
ولذلك كان ابن عباس كما قال رسول الله ﷺ: ﴿اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل﴾ كان عالمًا جليلًا من علماء الصحابة ﵃، بل هو من أكابر العلماء في الفقه والتفسير، وفي فهم كتاب الله، وتعلمون قصته التي رد بها على الخوارج، وكانوا ثمانية آلاف، أو عشرة آلاف كما نقل في السير والأخبار، فناقشهم ابن عباس في العلم فرجع منهم أربعة آلاف هداهم الله ﷿ بسبب علم ابن عباس واطلاعه.
فقد جاءهم وعليه ثوب غالي الثمن، ثوب جميل لبسه ابن عباس لما ذهب ليناظرهم، فقالوا: تلبس هذا الثوب بهذا الثمن الغالي وبهذا الثمن الباهظ، فرد عليهم ابن عباس بكتاب الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] فأفحمهم بكتاب الله.
ثم إنه ناظرهم في مسألة الحكم لما قالوا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٧] وعلي حكم الرجال، فقال لهم ابن عباس: لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون عن قولكم؟
لأن الخوارج يحتجون بأن عليًا حكم الرجال، يعني: حكم أبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، مع أن الله ﷿ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٧] ويقول: ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] فالحكم له وحده وعلي حكَّم الرجال هكذا كانوا يقولون.
فقال: أرأيتكم لو أتيتكم بشيء من كتاب الله، أفترجعون؟ قالوا: نعم، فذكر لهم قول الله ﷿: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] وقال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] قال: ألم تروا أن الله ﷿ نصب حكامًا من الخلق في مسائل في طير يقتل بالحرم، قالوا: بلى.
فالشاهد: أنه ناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف وهداهم الله ﷿ على يدي ابن عباس ذلك العالم الرباني الذي طلب العلم، وبذل جهده الواسع في سبيل تحصيله حتى كان إمامًا في الدين، وهدى الله على يديه هذه الأمة الكبيرة، ويناله أجرهم بإذن الله، لأن الرسول ﷺ يقول: من دل على هدى كان له مثل أجر من عمل به إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا﴾ ويقول: ﴿لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم﴾ ويقول: ﴿لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ من الدنيا وما فيها﴾ ويقول ابن عباس: [[فكانت الريح تسفي التراب على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج، قال: يا بن عم رسول الله ﷺ ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليَّ فآتيك -الصحابي يقول لـ ابن عباس: لو أرسلت إليَّ حتى آتيك أنا بدل أن تأتي إلى بيتي وتتوسد ردائك وتسفي الريح التراب على وجهك- فيقول ابن عباس: لا، أنا أحق أن آتيك، بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ، فأحببت أن أسمعه منك]].
وهذه الواقعة تعددت وحصلت عدة مرات من ابن عباس ﵄، يقول ابن عباس: [[فكان الرجل -يعني: الشاب الأنصاري الذي اقترح عليه أن يجتهد في طلب العلم في أول أيام شبابهما- بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله ﷺ يعني: العلماء الكبار من الصحابة- واجتمع الناس حولي يسألونني عن العلم، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني]] أي: الصحابي الشاب الذي اقترح على ابن عباس أن يجمع العلم من الصحابة فرفض، ورأى ابن عباس بعد سنين طويلة أكثر من عشرين أو ثلاثين أو أكثر من ذلك من السنين رآه وقد مات علماء الصحابة الكبار وبقي ابن عباس، والتف الناس حوله يسألونه عن العلم، فرآه ذلك الشاب الذي كان شابًا، فيقول: كان هذا الفتى أعقل مني.
قال الحاكم عقب هذا الخبر: هذا الحديث أصلٌ في طلب الحديث وتوقير المحدث.
وقال محمد بن عبد الله الأنصاري بسنده عن ابن عباس قال: [[وجدت عامة علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيل بباب أحدهم-أقيل: أقضي وقت القائلة -ولو شئت أن يؤذن لي عليه لأُذن لي، يعني: وأنا أعلم أني لو طرقت الباب، لأذنوا لي وفتحوا الباب، لكني ما كنت أفعل ذلك حتى لا أزعجه، وحتى لا يتذمر مني، وحتى يقبل عليَّ بنفس منشرحة وقد ارتاح واطمأن]] وهذا من توقير ابن عباس ﵄ للعلم وأهله، فلم يكن يسعى لإزعاج من عنده العلم، ومن عنده الفهم والأحاديث عن رسول الله ﷺ، لم يكن يسعى لإزعاجه، بل كان يتلطف تلطفًا؛ مع أنه لو طرق عليه الباب لخرج له، يقول: ولو شئت أن يؤذن لي عليه، لأُذن لي، ولكني أبتغي بذلك طيب نفسه، يعني: لا يريد أن يعكر مزاجه ويحدثه وهو سيء المزاج وهو متعب متكدر.
12 / 13