Durūs lil-Shaykh ʿAbd al-ʿAzīz b. Bāz
دروس للشيخ عبد العزيز بن باز
الاحتفال بالمولد بين البدعة والشرك
كثير من هؤلاء الذين أحدثوا هذه البدع أحدثوا معها أنواعًا من الشرك، فتجدهم يَغْلُون في الرسول ﷺ وفيمن يعظمون من الناس، كـ علي والحسين وكـ البدوي في مصر، وكالشيخ/ عبد القادر الجيلاني في العراق، وابن عربي في الشام وآخرين يعظمونَهم ويَرون فيهم عند اجتماعهم حال الاحتفال برئيسهم، وفي غير ذلك.
وهذه ثمرات الغلو والبدع: تنتهي بالناس إلى الشرك بالله، وإلى عبادة غيره، فإنهم عند المديح لا يدعهم الشيطان يقفون عند حد، إذا جاء المديح جرهم الشيطان إلى الشرك بالله ﷿، حتى يمدحوا الرسول ﷺ أو غيره من الناس بالشرك بالله الشرك الأكبر.
ويقولون: إنه يُستغاث به وإنه يكشف الكربات، ويعلم الغيوب إلى غير هذا من الشرك بالله العظيم، نعوذ بالله من ذلك.
هذا من المدح، يجرهم الشيطان في مدحه حتى يقعوا في الشرك الأكبر.
وحتى يقولوا في الرسول ﷺ: إنه يعلم الغيب، والله هو الذي يعلم الغيب ﷾ كما قال ﷿: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] .
وقال سبحانه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] ﷾.
ويقولون فيه: إنه يغيث الملهوفين، وينصر المسلمين على عدوهم بعد موته ﵊، ويفعل ويفعل، حتى قالوا: إنه يعطي الجنة من يشاء ويمنعها عمن يشاء.
وقالوا: إنه يعلم اللوح المحفوظ وما فيه، وأن مِن جوده الدنيا وضرتها.
هذا كله من الجهل بالله.
حتى قال البوصيري في قصيدته المعروفة والمشهورة التي يحفظها كثير من الناس، ويتخذها وردًا في الصباح، وهي الشرك الأكبر، ويقرءونها في الموالد، يقول فيها:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك
يخاطب النبي ﷺ، يخاطبه يقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
أي: يوم القيامة.
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدمِ
فإن من جودك الدنيا وضرتها
أي: الآخرة.
ومن علومك علم اللوح والقلمِ
أهذا يقوله إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر؟! إلى آخر ما يقول، نعوذ بالله، كل شيء جعله للنبي ﷺ، ما جعل لله شيئًا.
فإن من جودك الدنيا وضرتها
الدنيا والآخرة.
فالمعنى: فإن من جودك الدنيا والآخرة، والله يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ [النجم:٢٥] وهؤلاء يقولون: لا.
لمحمد الآخرة والأولى.
أهذا يقوله عاقل؟! أهذا يقوله من يفهم الدين؟!
ومن علومك علم اللوح والقلمِ
أي: كل العلوم عنده يعلمها، وهو ﷺ نفى ذلك، وأخبر أنه لا يعلم الغيب ﵊.
ولما وقع ما وقع على عائشة ورماها المنافقون وبعض الجهلة وبعض من اغتر بالمنافقين، رموها بالفاحشة، توقف ﵊، ولم يعلم الحقيقة حتى أنزل الله براءتها في القرآن، في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] الآية.
فالله جلَّ وعَلا أعلمه بذلك، وقد سألها وسأل غيرها، ليس عنده علم بالواقعة حتى أخبره الله ﷾.
ولما ضاع عقدها في غزوة من الغزوات، فبعث ليلتمسوه -يبحثون عنه في مكانه- فالتمسوه ولم يجدوه، ولم يعلمه ﷺ حتى قام البعير، فوجدوه تحت البعير، قام البعير ولا علمه النبي ﷺ، ولا علمه الصحابة وقد صاروا سادات الأولياء وأفضل الأولياء بعد الأنبياء، فالرسول والصحابة والأولياء لا يعلمون الغيب، علم الغيب لله جلَّ وعَلا، لا يعلمه أحد.
فهذا محمد ﵊ أفضل الخلق وأفضل الأنبياء لم يعلم ما جرى على عائشة، ولم يعلم عقدها الذي ضاع أين هو حتى قام البعير فوجدوه، وأصحاب النبي ﷺ هم أولياء الله بعد الأنبياء، وهم أفضل الناس لم يعلموه حتى قام البعير فوجدوه.
فالغيب إلى الله ﷾.
فهؤلاء الذين ابتدعوا هذه الموالد يقع عندهم من الشرك الأكبر، ويقع عندهم من الشرور والبدع والخرافات الكثيرة ما يقع.
ثم هذه البدعة جرَّتهم إلى بدعٍ كثيرة، فصاروا يبتدعون احتفالات كثيرة لمن يسمونهم بالأولياء في كل مكان، حتى إن في أفريقيا مئات أو آلاف الموالد وفي غيرها من البلدان، كلها بأسباب هؤلاء الضالين الذين أحدثوا هذه البدع، وصاروا أئمة في الشرك والبدع، وهم بنو عبيد القدَّاح، الفاطميون الذين أحدثوا البدعة في مصر في القرن الرابع، ثم تابعهم بعض الناس على ذلك حتى انتشرت هذه البدعة.
فوجب علينا وعلى غيرنا من طلبة العلم أن يبينوا للناس ما وقع فيه بعض الجهلة، وما غلا فيه بعض الناس من المنتسبين للعلم اغترارًا بهذه البدعة، واغترارًا بغيرهم، واقتداءً بمن جهل الحق، وراج عليه الباطل، واشتبهت عليه الأمور.
10 / 6