وشعره يدلاّن على معايشة العرب معايشة طويلة، فلا يُستبعد أن يكون قد رحل إلى مصر أو بلاد الشام أو كان مع موسى في البصرة يوم كان هناك، ولكن لا دليل يثبت تلك المعايشة إلاّ نثره ونظمه، وقد تكون تلك المعايشة تمت في إفريقية مثلًا (تونس) في أحد حواضرها كالقيروان، التي كانت يومذاك تعج بالعرب الفاتحين وأبنائهم وذويهم ومواليهم.
ومن ثقة موسى به قائدًا وإنسانًا، وثقة البربر به ومحبتهم له واعتمادهم عليه: "لو أمر أهلها بالصلاة إلى أيّ قبلة شاءها لتبعوه، ولم يروا أنهم كفروا" (١)، وعدم اتهامه بنزاهته، يمكن أن نستنتج، أنه كان مسلمًا حقًا، قوي الإيمان، راسخ العقيدة، مجاهدًا صادقًا، قويًا أمينًا، نزيهًا لم يتلوث بمال حرام، ولم يخلف درهمًا ولا دينارًا ولا عقارًا، دمث الأخلاق، حليمًا كريمًا سخيًا، محبًا للناس محبوبًا منهم، شهمًا غيورًا.
ولا أعرف قائدًا فاتحًا، له في تاريخ الفتوح ما لطارق في تاريخ الفتوح، بخل عليه التاريخ إنسانًا كما بخل على طارق الإنسان، فاقتصر تاريخه على مجده في الفتح، وهو مجد عظيم، دون أن يشمل تاريخه إنسانًا، وقد عوّض عليه مجده في الفتح ما فاته إنسانًا، وحسبه ما فتح عوضًا مجزيًا.
(١) نفح الطيب (٤/ ١٢).