والانزلاق في مهاوي الفتن والفرقة، كل ذلك يجعله بعيدًا غاية البعد عن اتهام خصومه وحاسديه له بالخلع أو الاستقلال الذاتي، خاصة وأنه كان في ذلك الوقت كان قد بلغ الثمانين من عمره، وهي سن لا تشجع مَن بلغها على المغامرة، وتجعل من صاحبها إنسانًا ذا تجربة وخبرة، بعيد النظر، مقدِّرًا لعواقب الأمور.
لقد ذهب موسى ومعه طارق، ضحية الدسّ والحسد، فخسر العرب المسلمون بتنحيتهما بطلين من ألمع أبطالهم، وفاتحَيْن من أعظم فاتحيهم، ورجلَيْن من أنبغ رجالاتهم، وقائدَيْن من أبرز قادتهم، وكانت تنحيتهما نكسة قاصمة للفتح الإسلامي في الأندلس وأوروبا (١).
وقد بقي في الأندلس، جيوب من القوط، لم يتم القضاء عليها نهائيًا، ولو بقي موسى وطارق لقضيا عليها قضاءً مبرمًا. وهذه الجيوب من بقايا القوط، هي التي نمت وانتعشت واستردت الأندلس من المسلمين بعد حين، كما هو معروف.
ولو بقي موسى وطارق في الأندلس، لأصبح فتح الأندلس فتحًا مستدامًا، كفتوح البلاد والأمصار الأخرى.
ولكن هل خسر العرب والمسلمون موسى وطارقًا وحدهما نتيجة للدس والحسد؟؟!!
(١) قادة فتح المغرب العربي (١/ ٢٨٦).