198

Qādat Fatḥ al-Andalus

قادة فتح الأندلس

Publisher

مؤسسة علوم القرآن

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

Publisher Location

منار للنشر والتوزيع

Regions
Iraq
الماهر في نسج الألفاظ، كان أسعد الناس حظًا بعيش الترف والكسل! كلا، فإنّ نشاط العلماء في أعمالهم كان مدهشًا، فقد وصلت إلينا أمثلة رائعة من بدايات علومهم التي تفوق نهايات غيرهم. وجريدة أعمال المشهورين من علمائهم بلغت من العظمة إلى حد يكاد المرء ألاّ يصدِّقها، ولكن سكوت أخبرنا بأن كتّاب العرب - مع سعة خيالهم وإبداعهم في الوصف وتأنّقهم فيه - صادقون فيما يذكرونه من الحوادث.
وقد نسبوا إلى ابن الطفيل ألفًا ومائة كتاب في الفلسفة والتاريخ والطب، وأنّ ابن حزم ألّف أربعمائة وخمسين مجلدًا في الفلسفة والقانون (الفقه)، وكانت لهم معلومات عدّة تزيد مجلدات إحداهن على خمسين مجلدًا. وعدد المؤرخين منهم يزيد على ألف على ما قيل، فللّه كم ضاع من علم وأدب كان طعمة للنيران التي أوقدتها أيدي الرهبان حين: "طرد الإسبانيون الكفار من أوروبا"، كما يزعم المدرسون. وكان قسم من تلك الكتب في علم الكلام، فلا تستحق أن تعتبر هنا. وكان علماء المسلمين قد جاءوا الأندلس من كل رجا من أرجاء الدنيا. وأحيانًا كان يتسرب إليها المتعصبون من أهل إفريقية، فيؤيدون السلفيين الجامدين، وينشأ غمام مظلم في سماء الوجهة العقلية الإسبانية بتافه قول من قال: "إنّ الضعف الوحيد الذي كان في أهل الأندلس إنما أتاهم من قبل دينهم". ومن الواضح أنّ أكثر علمائهم اختصاصًا بأمور الدين هم الفلاسفة، وإنّهم صرحوا جهرة بذم علم الجدل الكلامي حتى الإسلامي منه. وكانوا يعرفون جميع ضروب الفلسفة: هنديّة كانت أم يونانية، إلاّ أنّ أرسطو كان هو المعلّم الأكبر في نظرهم. ولما تكلم الشاعر الكاثوليكي دانتي في القرن الثالث عشر على الفلسفة لم يذكر ولا رجلًا واحدًا نصرانيًا، إلاّ ذكر بعده ابن سينا وابن رشد، وساوى بينهما وبين المعلم الأكبر في الشرف، حين سمَّى الجميع "آل بيت الفلسفة"، وذلك يدلنا على أنّ الفضل في النهضة الفكرية في أوروبا يرجع إلى العرب الذين أحيوا فلسفة اليونان بعد دروسها، قبل النهضة الأخيرة الأوروبية بأربعة قرون.

1 / 199