194

Qādat Fatḥ al-Andalus

قادة فتح الأندلس

Publisher

مؤسسة علوم القرآن

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

Publisher Location

منار للنشر والتوزيع

Regions
Iraq
شهواتها، حتى صاروا كالأنعام بل أهم أضلّ سبيلا. وكلا الفريقين معجب بنفسه، وكلّ حزب بما لديهم فرحون، وكلّ منهما يعيب الآخر ويرميه بالمثالب، وكلاهما في ضلال مبين.
ومن المزايا التي اختص بها العرب، أنّهم يرون أنّ السعادة وكمال النعمة إنما هي المعيشة التي كانت تكفل حفظ النفس والعقل في التهذيب على السواء. وكانت الدرجة العليا التي أدركوها في الشعر ناشئة عن ذلك الرقيّ الموزون. وكل الطبقات من أصحاب الحوانيت إلى الخلفاء كانوا ينشئون وينشدون الشعر. وكثيرًا ما ترى جماعة من الرجال والنساء في ليالي الصيف في حديقة غنّاء، تعبق روائح رياحينها في ساحات البيوت الجميلة، جالسين يتباحثون في الأشعار، ويتنازعون بلطف في المساجلة في منتوجات أفكارهم. وكان ولعهم بالموسيقى ودرسهم لها يساوي شغفهم بالعلوم والآداب، وكانت الأندلس حقيقة في تلك الأيام أرض غِناء وغرام وأزهار ونوافح طيب.
ولكن هذا الشغف بالموسيقى كان مزدوجًا مع شوق أعظم منه إلى استقراء العلوم العقلية إلى حدّ كدنا نعجز عن فهمه. فأين يوجد في عالمنا شخص يداني زرياب القرطبي (١) الموسيقي الشهير الذي كان مرتبه (٠٠٠، ٤٠) دينار ذهبًا في كلّ سنة، وكان يعرف عشرة آلاف صوت من نغمات الغناء. وأنا لا أدري، هل ذلك فوق مقدرة المغنين في عصرنا أم لا؟؟ ولكن أعلم أنّ ما عندهم هو جزء مما كان عند زرياب، وكان عالمًا بالعلوم العالية في ذلك الزمان، كالجغرافية والطب والفلسفة مثلما كان عالمًا بالموسيقى، فاخترع عطورًا جديدة وأدهانًا لتجميل الّلون، وجلب الأغذية والعقاقير، ووضع طرازًا صحيًا للملابس، وأصلح النظام السياسي، وأوجد في الناس تهذيبًا

(١) أصله من بلاد فارس، سافر إلى العراق وتتلمذ على إسحاق الموصلي، وقرّبه هارون الرشيد، ثم سافر إلى الأندلس، ودخل قصر عبد الرحمن الثاني، وتوفي بالأندلس في حدود سنة ٨٥٢ هـ.

1 / 195