292

Al-Kawākib al-sāʾira bi-aʿyān al-miʾa al-ʿāshira

الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة

Editor

خليل المنصور

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

وأعطى تدريسها لشيخ الإسلام البرهان بن ظهيرة، وعمر مسجد الخيف، وساق الماء من عرفات إلى منى، والمحصب، ولما ذكر الجد ذلك في قصيدة قال:
وسقته لمنى، ثم المحصب بل ... وعن قريب على باب السلام يرى
فاتفق للجد في هذا البيت كرامة عجيبة، وهو أنه أخبر أن ماء عرفات سينساق إلى مكة حتى يرى جاريًا على باب السلام، وكان الأمر كما ذكر، فإن السلطان سليم ساق الماء إلى مكة، وهو الآن يجري بالمسعى بالقرب من باب السلام، وعمر قايتباي الحجرة الشريفة، والقبة المبتناة عليها، وعمر مسجد رسول الله ﷺ، وعمر بالمدينة مدرسة ورباطًا، وساق ماء العين الزرقاء إليها، وهذا كما قال الشيخ - رضي الله تعالى عنه.
هذا وحقك شيء ما سبقت له ... وكم مليك تمناه وما قدرا
أليس يكفيك هذا سيدي شرفًا ... على الملوك وفخرًا زين السيرا
وعمر بالقدس الشريف مدرسة عظيمة، ورم الجامع الأموي، وعمر مدرسة بغزة، وجامعًا بالصالحية المصرية، وجامع الروضة، وجامع الكبير، وتربة بصحراء مصر، وعمر قبة الإمام الشافعي في مآثر آخرى، ولقد كان من محاسن الدهر، ورؤوس ملوك الأرض، ولم ينتقد عليه أحد عظيم أمر سوى ما كان من أمره بإعادة كنيسة اليهود بالقدس الشريف بعد هدمها، وعقوبته لعالم القدس البرهان الأنصاري، وقاضيها الشهاب بن عبية وغيرهم بسبب هدم الكنيسة حتى حملوا إليه، وضرب بعضهم بين يديه، وقد شنع بن عبية على قايتباي في ذلك، وبالغ في حقه حتى زعم أنه لم يفعل ذلك إلا لمودة بينه وبين اليهود، وتعصب منه على الدين، وهنا تحامل من ابن عبية تعزير قايتباي له، وفي نفس الأمر، فإن قايتباي لم يقصد الأمر باعادة الكنيسة نصرة لليهود، وإنما أمر بذلك أن عقد مجلسًا جمع فيه العلماء، وأفتى بعضهم بأن هدم الكنيسة لم يصادف محلًا، وقد استوفى القصة صاحب الأنس الجليل فيه، وكان كثيرًا ما يقع بين الملك الأشرف قايتباي، وشيخ الإسلام الجد مطارحات، فمنها ما أنشد السلطان مستجيزًا من الجد رضي الله تعالى عنه.
عشق، وتجلد، وصبر، وسكوت ... ما أصنع ما أفعل، والوقت يفوت
فأجابه شيخ الإسلام الجد بقوله بديهًا:
ألفاظكم كالدر أو كالياقوت ... يا من للروح قوتهم أشهر قوت
أقسمت بحق جبركم لا أنسى ... يومًا لجميلكم وإن كنت أموت

1 / 300