Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وعلى أي حال فالمثلية مفروضة - كما قال الزمخشري - وليست واقعة، ولا معنى لما يقوله البعض من أن لفظة مثل زائدة كزيادتها في
ليس كمثله شيء
[الشورى: 11]، على رأي بعضهم، لأن ذلك يفضي إلى أن المراد فأتوا بسورة منه، مع أن المطلوب منهم أن يعارضوا القرآن بشيء يشبهه، كما كانوا يدعون بقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا، وإنما قلنا بفرض المثلية دون حصولها، ليتفق ما هنا مع ما في قوله تعالى من بعد: { ولن تفعلوا } ، وقوله: { لا يأتون بمثله } ، وفرضها مبني على اعتقاد المخاطبين، وما كانوا يمنون به أنفسهم في دحض حجة القرآن، وسوق الكلام مساق التعجيز والتحدي شاهد على عدم وجود المثل، وانتقد أبو حيان الزمخشري في جعله المثلية مفروضة، مع أن ذلك لا يتأتى إن أعيد الضمير في { مثله } على المنزل عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، لوجود عدد كبير في العرب ممن يشبهه في الأمية، وكذلك إن أعيد الضمير على المنزل، لوجود الكلام البليغ فيما تنطق به العرب، وهو بجعل المماثلة حاصلة له من بعض الوجوه.
وليس فيما قاله الزمخشري موضع للنقد: إما أولا فقد بنى مذهبه على ما اختاره سابقا من عود الضمير في مثله إلى المنزل، وهذا الذي اختاره أبو حيان نفسه وعزاه إلى الأكثرين، ومن المعلوم أن التفريع يجب أن لا يخرج عن منهج التأصيل.
وإما ثانيا فلأن البلاغة وحدها لا تكفي لعد سائر الكلام العربي البليغ مماثلا للقرآن، لما علمته من اختصاص القرآن بروح بيانية غيبية لا توجد في أي كلام آخر، ولولاها لم يكن لفرسان البلاغة العربية أن يقفوا مشدوهين أمام معجزته، متحيرين من ترتيب حروفه، ورصف كلماته بطريقة تجعل كل حرف وكل كلمة ينبضان بحياة لا توجد في سائر الكلام، وقد سبق شرح ذلك في الإعجاز البياني، وهو يعني أن البلاغة المتيسرة للكلام العربي لا تكفي لأن ترفع ذلك الكلام إلى هذا المستوى الرفيع.
وبناء على القول بعود الضمير على " عبد " فالمراد بالمثلية أن يكون مثله في صفة الأمية التي من شأنها عدم اتساع الأفق العلمي والمعرفة بأحوال الأمم، وأخبار النبيين، والأمور التشريعية، والأوضاع الاجتماعية، إلى غير ذلك مما حواه القرآن الكريم، وعلى هذا مشى الإمامان محمد عبده ومحمد رشيد في المنار، واستدل له الاستاذ الامام بدخول " من " الدالة على النشوء على لفظة " مثل " ، وفرق السيد محمد رشيد بين هذه الآية وسائر آيات التحدي في الاسراء ويونس وهود؛ بأن التحدي في سورتي يونس وهود خاص ببعض أنواع الإعجاز، وهو ما يتعلق بالأخبار، كقصص الرسل مع أقوامهم التي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قومه يحيطون بها علما من قبل، وجوز أن يكون التحدي بعشر سور مفتريات دون سورة واحدة لإرادة نوع خاص من أنواع الإعجاز، وهو تعديد الأساليب في الاخبار بالشيء الواحد مع عدم تفاوتها في البلاغة، كما يظهر ذلك في بعض القصص التي ترد في القرآن بعبارات مختلفة الأسلوب والنظم من مختصر ومطول، والتحدي بمثله لا يظهر في قصة مخترعة مفتراة، بل لا بد من التعدد الذي يظهر فيه التعبير عن المعنى الواحد، والقصة الواحدة، بأساليب مختلفة، وتراكيب متعددة، كما هو واضح في سوره، ومن هنا أباح لهم أن تكون هذه السورة التي طولبوا بها مفتراة كما وصفوا بذلك القرآن.
وأما في سورة يونس فقد اكتفى بالتحدي بسورة واحدة؛ في مقام الرد على قولهم افتراه لعدم التقييد بكونها مفتراة، لا لأجل التخفيف عنهم بالواحدة بعد عجزهم عن العشر، وعليه فيقتضي ذلك انطواءها على خبر الغيب والتزامها بالصدق، وفي هذه السورة التي أعادت هذا التحدي في مواجهة اليهود بالمدينة المنورة بعدما تكرر بمكة المكرمة، كان التقييد في المطالبة بالإتيان بسورة مشتملة على ما تشتمل عليه سور القرآن من مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في أميته لأجل أن اليهود لم يكونوا يعدون التحدث عما جاءت به الرسل من الغيوب، فكأنهم طولبوا بالإتيان بذلك من رجل أمي كالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذه خلاصة تفرقته، ورأي الجمهور أوضح حجة وأقوى دليلا، لما علمته من ان المقصود بيان عجز الناس - ولو تضافرت جهودهم وتظاهرت قواهم - عن محاكاة القرآن، وقد سبق لك ان الاسلوب القرآني وحده كان كافيا في تبكيت العرب وإقامة الحجة عليهم بأن البيان الذي تحدوا به لم ينشأ عن ملكة بشرية، وإنما هو نداء غيبي يخرس صوت كل معاند، ويستأصل شبهة كل مشاقق، ويهدي أولي البصائر الى سواء السبيل، وذلك مع غض النظر عن محتواه من الغيوب وغيرها، وأخبار النبوات وإن كانت هي من ضروب إعجازه فإنها لم تكن هي المبكتة لطواغيت الجاهلية الذين لم يكونوا يؤمنون بالنبوات، ولا يصفون هذه الأخبار إلا بكونها أساطير الأولين، ولو كان التحدي في مكة المكرمة بمضمون القرآن دون لفظه لكان في ذلك مجال للكفار بأن يلفقوا بعض الأساطير الكاذبة، ويوهموا أتباعهم بأنها نظيرة ما في القرآن، إذ لا حكم يحتكم إليه في مثل هذه الأمور عندهم، بخلاف البلاغة فإن الحكم فيها الذوق والوجدان، والكل مشتركون فيهما، وعدم التقييد في المطالبة بالاتيان بكون الآتي مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمية أبلغ في التحدي وأوغل في التبكيت لما فيه من إفساح المجال للمعارضة وإرخاء العناء للمعارضين، وليست في " من " دلالة على ما قاله الأستاذ الامام، لأنها موضوعة لابتداء الغاية غالبا، وإذا كانت السورة المطلوبة منهم مؤلفة من كلام مثيل لما في القرآن لم تخرج " من " عن هذا المعنى الذي وضعت له.
والشهداء جمع شهيد، وهو الذي يقتضيه القياس، وحمله بعضهم على أنه جمع شاهد كعالم وعلماء، وهو مأخوذ من شهد إذا حضر، كما في قوله تعالى:
ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا
Unknown page