Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة
[الفرقان: 32]، وقد قيل لهم هنا: إن كنتم في شك منه بسبب ما ذكرتموه فلتأتوا أنتم بمثل نوبة واحدة من نوبه وهي سورة من قصار سوره، أفاد ذلك الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بأن دلالة التفعيل على الكثرة لا تخرج بالفعل عن اللزوم إلى التعدي، فالفعل اللازم إذا ضعف يبقى على لزومه، والمتعدي يبقى كذلك متعديا، وإنما يفهم من الفعلين وقوعه بالكثرة، مثال ذلك جرح وجرح، فإن الفعلين متعديان وإنما يمتاز المضعف عن المجرد بالدلالة على كثرة الوقوع، وإذا انتقل الفعل بالتضعيف عن اللزوم إلى التعدي نحو بان وبين لم يدل تضعيفه على الكثرة، ومن هذا الباب نزل ونزل، فإن نزل - بالتضعيف - لا يختلف عن أنزل في شيء، ويؤيد ذلك قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } حيث ضعف الفعل ولم يقصد به إلا المرة، وبهذا يتبين ان التعبير بالإنزال تارة وبالتنزيل أخرى ليس لفارق بينهما، وإنما هو من باب التفنن في الكلام، وكثيرا ما يأتي لفظ التنزيل في القرآن فيما لا يحتمل التكثير إلا بضرب من التأويل البعيد، كقوله تعالى :
لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]، وقوله:
وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه
[الأنعام: 37]، هذه خلاصة رد أبي حيان على الزمخشري، وهو في منتهى القوة والوضوح.
العبودية لله أرقى درجات التكريم:
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بلقب العبودية في مقام الدفاع عنه مؤذن بأن عبودية الانسان لله شرف له إذ هي أرقى الدرجات الروحية التي يصلها العبد بجهاده وبعناية الله، وفي هذه الإضافة إلى الضمير العائد إليه تعالى تشريف له صلى الله عليه وسلم، وتنويه بأنه تحت رعاية الله وفي حمى عنايته.
وفي قوله: { فأتوا بسورة من مثله } تحد لهم واستفزاز لنخواتهم، واستنفار لعزائمهم، أي إن كنتم صادقين بأن ما أنزل على عبدنا مما يحوم حوله الريب ويرقى إلى عليائه الشك أو أنه تعلمه من غيره؛ أو افتراه بنفسه، أو أنه أساطير الأولين اكتتبها، فما عليكم إلا أن تصدقوا مقالتكم فتأتوا بجزء قصير من الكلام الذي يشبه ما جاء به أسلوبا، وبلاغة، وغزارة معنى.
والسورة معروفة وهي آيات مستقلة تشتمل على غرض أو أغراض لها فاتحة وخاتمة، ولكل سورة ترجمة في المصحف الشريف، وتقدم في مقدمة تفسير الفاتحة بيان معنى السورة لغة واصطلاحا، وذكر الاختلاف في كونها مأخوذة من السور أو من السؤر - بالهمز - وهو ضعيف جدا لدلالته على الاحتقار - او من السورة بمعنى المنزلة، وفيما ذكرته هناك غنى عن تكراره، والمثل كالشبه لفظا ومعنى.
Unknown page