بالسَّناء والرِّفْعَة والدِّين والتمكينِ في الأرض، فمن عَمِلَ منهُم عملَ الآخرةِ للدُّنْيا، لم يكنْ له في الآخرةِ نصيبٌ".
واعلم أن العمل لغيرِ اللهِ أقسامٌ: فتارةً يكونُ رياءً محضًا، بحيثُ لا يُرادُ به سوى مراآت المخلوقين لغرض دُنيويٍّ، كحالِ المنافِقين في صلاتهم، كما قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦].
وكذلك وصف الله الكفار بالرِّياء في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧].
وهذا الرِّياءُ المحضُ لا يكاد يصدُرُ من مُؤمنٍ في فرض الصَّلاةِ والصِّيام، وقد يصدُرُ في الصَّدقةِ الواجبِة أو الحجِّ، وغيرهما من الأعمال الظاهرةِ، أو الَّتي يتعدَّى نفعُها، فإنَّ الإخلاص فيها عزيزٌ، وهذا العملُ لا يشكُّ مسلمٌ أنَّه حابِطٌ، وأنَّ صاحبه يستحقُّ المقتَ مِنَ اللهِ والعُقوبة.
وتارةً يكونُ العملُ للهِ، ويُشارِكُه الرِّياءُ، فإنْ شارَكَهُ مِنْ أصله، فالنُّصوص الصَّحيحة تدلُّ على بُطلانِهِ وحُبُوطه أيضًا.
وفي "صحيح مُسلم" عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يقولُ الله ﵎: أنا أغنى الشُّركاءِ (^١) عن الشِّرك، مَنْ عَمِل عملًا أشركَ فيه معي غيري، تركته وشريكَه"، وخرَّجه ابنُ ماجه، ولفظه: "فأنا منه بريءٌ، وهوَ لِلّذي أشركَ" (^٢).
(^١) في الأصول: "الأغنياء"، والمثبت من "صحيح مسلم".
(^٢) رواه مسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢)، وأحمد ٢/ ٣٠١ و٤٣٥، وصححه ابن حبان =