Jalasāt Ramaḍāniyya
جلسات رمضانية
وقفة مع قوله تعالى: (أيامًا معدودات فمن كان منكم مريضًا ..)
قوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] تقليل؛ لأن المعدود جمع مؤنث، وجمع المؤنث كله جمع قلة، وعلى هذا فالله ﷿ قلل هذه الأيام لأنها ثلاثون يومًا من ثلاثمائة وستين يومًا ثلاثون يومًا من ثلاثمائة وستين قليلة، ثم هي والحمد لله في أفضل مناسبة في شهر رمضان.
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: من كان مريضًا أو على سفر فليفطر وعليه عدة من أيام أخر، فهذان عذران يعذر بهما المرء عن الصوم، أولهما المرض، وهل المراد مطلق المرض ولو وجع السن، أو وجع العين اليسير، أو المراد به المرض الذي يشق معه الصوم؟ الثاني؛ وذلك لأن المرض الأول لا يكاد يخلو منه أحد، ثم المرض الأول لا تأثير للصوم فيه، ولا تأثير للفطر في شفائه، فلذلك لابد أن يقيد المرض بما يشق معه الصوم، أيًا كان المرض، حتى لو فرض أن الإنسان أوجعته عينه وجعًا شديدًا وقلق حتى لا يصبر عن الطعام والشراب فليفطر.
فإن قال قائل: أيهما أفضل للمريض، أن يفطر ويقضي، أو الأفضل أن يصوم؟ قلنا: الأفضل هو الأيسر؛ لأن الله تعالى إذا رخص لنا برخصة فإنه يحب منا أن نأتي رخصه، لماذا؟ لأن الرخصة تسهيل وكرم، والكريم يحب أن تؤتى تكرمته، أليس كذلك؟ يعني حتى في بني آدم الرجل الكريم إذا بسط السماط ووضع فيه الطعام هل يحب أن الناس يأتون إليه ويأكلوا أو لا؟ نعم يحب هذا، فالله ﷿ إذا رخص للعباد رخصة يحب أن يأتي الناس رخصته، فنقول: المريض الأفضل في حقه هو الأيسر، إما الصوم وإما الفطر، وبعض الناس -نسأل الله لهم الهداية- يخاطرون بأنفسهم، يكونون مرضى يشق عليهم الصوم، أو يقول لهم الطبيب الثقة لابد أن تشرب الماء كل أربع ساعات، ومع ذلك يقول: لا.
أتصبر، أصوم أتصبر هذا غلط، ربما لو يكون صومك سببًا لهلاكك، ربما تكون معينًا على قتل نفسك، ولهذا يجب على الإنسان إذا خاف الضرر أن يفطر.
قوله: «أَوْ عَلَى سَفَرٍ» [البقرة:١٨٤] السفر أيضًا مبيحٌ للفطر، وهل يشترط في السفر المبيح للفطر أن يكون الصوم فيه شاقًا أو لا؟
الجواب
لا، لكن قد يقول قائل: لماذا فرقتم بين المريض وبين المسافر؟ المريض قلتم لابد أن يكون الصوم شاقًا مع المرض، والمسافر قلتم يفطر ولو لم يكن شاقًا.
قلنا: لأن السنة بينت ذلك، فالناس مع رسول الله ﷺ يصومون ويفطرون بدون مشقة، فدل هذا على أن مجرد السفر رخصة، للصائم أن يفطر ويقضي بدل الأيام التي أفطرها، ولكن هل الأفضل أن يصوم المسافر، أو الأفضل أن يفطر؟ نقول: الأفضل الأيسر، إن كان الأيسر لك أن تصوم صم، وإن كان الأيسر أن تفطر أفطر، وعلى هذا فالذين يذهبون إلى مكة للعمرة لو سألوا هل نصوم أو نفطر، قلنا: الأفضل الأيسر، إذا كان الأيسر لك أن تفطر يوم قدومك من أجل أن تؤدي العمرة بنشاط فأفطر، الأمر واسع والحمد لله، فإن قال هل الأفضل أن أؤدي العمرة أول ما أصل وأفطر، أو أن أبقى على صومي وأؤديها في الليل؟ الأولى أفطر وأد العمرة؛ لأن الأفضل للمعتمر أن يكون أول ما يبدأ به في مكة أن يؤدي العمرة حتى كان الرسول ﵊ لا ينزل عن راحلته إلا عند المسجد ثم يؤدي العمرة.
وإذا كان الصوم يشق في السفر لكن مشقة ليست شديدة فما الأفضل؟ الأفضل الفطر، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (رأى زحامًا ورجلًا قد ظلل عليه -صائم فازدحم الناس ينظرون إليه ويظللونه- قال: ما هذا؟ قالوا: صائم قال: ليس من البر الصيام في السفر) لأن هذا شق على نفسه وترك الرخصة.
أما إذا شق مشقة شديدة فإن الصوم معصية، ودليل هذا أن النبي ﷺ خرج في رمضان حتى بلغ كراع الغميم -مكان معروف- فجاءوا إليه وقالوا: يا رسول الله! إن الناس قد شق عليهم الصيام -يعني وينتظرون ما تفعل- فدعى بماء وهو على راحلته ووضعه على فخذه والناس ينظرون فشرب، وكان ذلك بعد صلاة العصر، يعني ما بقي إلا قليل وقت، ومعلوم أن الناس إذا رأوا النبي ﷺ قد شرب أن نفوسهم سوف تطمئن بالفطر؛ لأن إمامهم ﵊ شرب أمامهم فتطمئن النفوس، فشرب الناس وخف عليهم الأمر، لكن بعض الصحابة عفا الله عنهم اجتهد، وكأنه قال: لم يبق إلا جزء يسير من الوقت فسأستمر في الصوم، فجاءوا إلى الرسول ﵊ يخبرونه، قالوا: يا رسول الله! إن بعض الناس قد صام -يعني قد استمر في صيامه -قال: (أولئك العصاة أولئك العصاة) كررها، يعني أنهم عصوا ببقائهم على الصوم مع المشقة.
إذًا: المريض يفطر ويقضي، المسافر يفطر ويقضي، الأمر واسع ولله الحمد.
20 / 5