Jalasāt Ramaḍāniyya
جلسات رمضانية
مشروعية قيامه
ومن خصائص هذا الشهر قيام لياليه، من أول ليلة إلى آخر ليلة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) والتراويح التي نصليها الآن هي من قيام رمضان؛ لأن النبي ﷺ قام بأصحابه ثلاث ليالٍ في رمضان وكثر الناس، حتى ملئوا المسجد، ثم تخلى وقال: (إني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) وعلى هذا فالتراويح سنة بفعل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم ترك الناس الجماعة بقيام رمضان زمن خلافة أبي بكر الصديق ﵁ وأول خلافة عمر بن الخطاب ﵁، فخرج أمير المؤمنين عمر ذات يوم فوجد الناس يصلون أوزاعًا، الرجل وحده والرجلان والثلاثة فرأى أن يجمعهم على إمام واحد فجمعهم على أبي بن كعب، وتميم الداري، وأمرهما أن يقوما للناس بإحدى عشر ركعة، هكذا في الموطأ بإسناد صحيح ثابت.
وأما حديث يزيد بن رومان أن الناس في عهد عمر كانوا يقومون بثلاث وعشرين ركعة فهذا أولًا ليس فيه التصريح باطلاع عمر على ذلك، وما فعل في عهد الخلفاء ليس كما فعل في عهد الرسول ﷺ، أي أن ما فعل في عهد الرسول ﷺ فهو سنة إقرارية لأنه على فرض أن الرسول لم يطلع عليه فالله قد اطلع عليه ولو كان لا يرضي الله لنزل به الوحي، وأما زمن الخلفاء فما فعل في عهدهم ولم يطلعوا عليه فإنه لا يقال إنه من سنتهم، ثم إن في سنده -أعني حديث يزيد بن رومان - مقالًا معروفًا، وعلى هذا فتكون السنة في قيام رمضان إحدى عشرة في عهد الرسول ﵊ وفي عهد عمر الذي أمر بهذه التراويح من قيام رمضان، ولذلك لا ينبغي أن نفرط بها، ولا ينبغي أن نختصرها وننقرها نقر الغراب كما يفعل بعض الأئمة نسأل الله لنا ولهم الهداية، لا يمكنون المأمومين من الطمأنينة ليسبحوا ويدعوا لأن هذا وقت قد لا يعود على الإنسان مرة أخرى، وقت ثمين، فالذي ينبغي للأئمة أن يطيلوا في التراويح يطيلوا القيام والركوع والسجود والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، حتى يتمكن الناس من الدعاء والتسبيح.
ثم إنه ينبغي للإنسان أن يواظب على هذه التراويح، وإذا دخل مسجدًا فصلى فيه فلا يخرج حتى تنتهي، لأن النبي ﷺ لما طلب الصحابة منه أن ينفلهم بقية الليلة ويقوم بهم إلى الفجر قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وهذه من نعمة الله، يكتب لك قيام ليلة وأنت نائم في فراشك، فضل ونعمة، فليحرص الناس على التراويح، ولا ينصرفوا إذا صلوا في مسجد حتى ينصرف الإمام؛ ليكتب لهم قيام ليلة.
وإذا دخل الإنسان والإمام يصلي صلاة التراويح وهو لم يصل صلاة العشاء فليدخل مع الإمام بنية العشاء، حتى لو كانوا جماعة، ليدخلوا مع الإمام بنية العشاء وإذا سلم من التراويح أتموا ما بقي، ولا يضر أن تكون صلاة المأموم فرضًا وصلاة الإمام نفلًا، لأن مثل هذا وقع في عهد الرسول ﷺ فإن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم نفس الصلاة، فهي في حقه نفل وفي حقهم فرض.
ولما قال بعض العلماء: إنه لا يصح أن يكون المتنفل إمامًا للمفترض، حاولوا رد حديث معاذ، يعني تحريفه، فقال بعضهم: لعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يطلع ما اطلع عليه، فلا يكون هذا إقرارًا من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا من العجب!! والرد على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن معاذ بن جبل شكاه بعض جماعته شكاه لمن؟ للرسول ﵊ حين كان يطيل بهم، فغضب عليه الرسول ﵊، وقال: (أفتانٌ أنت يا معاذ؟) وأمره أن يخفف، فكيف يقال: إن الرسول لم يعلم.
ثانيًا: على فرض أن الرسول ﵊ لم يعلم به فهل الله علم به؟ نعم لا شك، وهل يقر الله تعالى أحدًا يفعل ما لا يرضيه؟ أبدًا، ولهذا لما كان قومٌ يخفون ما لا يرضيه بيَّنهم الله وفضحهم ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] ففضحهم الله، فاحتمال أن الرسول لم يعلم به وهو بعيد، يرد بأن الله علم به وأقره، ولو كان ليس من شريعته ولا يرضاه لبينه، إذًا بطل هذا التأويل.
وقال آخرون: بل إن معاذًاَ ينوي النفل مع الرسول والفرض بقومه، سبحان الله، صلاته مع الرسول التي يأتي إليها من مكانه ليكون خلف الرسول ﵊ يجعلها نافلة ويجعل صلاته بقومه فريضة هل هذا معقول؟! أبدًا، الفريضة هي الأولى، والفريضة هي التي يتحرى أن يكون مأمومًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن بلاء بعض العلماء أنهم يحكمون قبل أن يستدلوا، أو يعتقدون قبل أن يستدلوا، ونحن نقول: استدل ثم اعتقد، استدل ثم احكم، هذا الصواب.
فالحاصل أنك إذا جئت وقد فاتتك صلاة العشاء ووجدت الناس يصلون صلاة التراويح فادخل معهم بنية العشاء، وإذا سلم الإمام فأتم ما بقي عليك.
ومن خصائص هذا الشهر المبارك: أن فيه ليلة القدر، أي ليلة الشرف، وليلة التقدير، فالقدر من القدر الذي هو الشرف ومن التقدير لأن هذه الليلة شريفة عظيمة، أعني ليلة القدر إذ أنها خير من ألف شهر، وفيها تنزل الملائكة والروح الذي هو جبريل، وفيها من كل أمر يأمر الله به يكتب فيها ما يكون في السنة، وهي سلام، وتنتهي إلى طلوع الفجر ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:٥] .
هذه الليلة كان النبي ﷺ يسهر الليالي من أجل إدراكها، بل كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعزف عن الدنيا، ويعتكف في المسجد تحريًا لهذه الليلة، فاعتكف العشر الأول طلبًا لها، ثم العشر الوسطى طلبًا لها، ثم قيل له إنها في العشر الأواخر، وأري أنها في العشر الأواخر فكان يعتكف في العشر الأواخر.
إذًا: يمتاز شهر رمضان بأن فيه ليلة القدر.
19 / 4