252
الغارمون
قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة:٦٠]: الغارمون هم: المدينون، وقسمهم العلماء ﵏ إلى قسمين: ١- غارم لنفسه.
٢- وغارم لغيره.
الغارم لنفسه: هو من لحقه الدَّين لغرض نفسه، كرجل تديَّن واشترى سيارة، تديَّن واشترى بيتًا للسُّكنى، تديَّن وتزوَّج، وما أشبه ذلك، هذا غارم لنفسه، لمصلحة نفسه.
والثاني: غارم لمصلحة غيره: مثل: رجل رأى بين قبيلتين من الناس شحناء وعداوة ربما تؤدي إلى الاقتتال، فقال لهم: يا جماعة، اصبروا! لنجلس على بساط البحث والصلح لنصلح بينكم، فنعطيكم أنتم (١٠.
٠٠٠) ريال، وأنتم نعطيكم (١٠.
٠٠٠) وكفوا، فوافقوا، وتصالحوا على (١٠.
٠٠٠) ريال تُدفع لكل قبيلة، الرجل هذا غرم الآن، التزم بماذا؟ بغُرْم.
بكم؟ بعشرين ألف ريال.
فهل يُعطى هذه الغرامة؟ أو نقول: نحن لم نوكلك حتى نعطيك؟
الجواب
نعطيه هذه الغرامة، حتى لو كان غنيًا يستطيع أن يدفع ليس عشرين ألفًا فحسب! بل عشرين مليونًا، فنعطيه ونقول: تفضل، هذه عشرون ألفًا أعطِ القبيلة رقم [١] عشرة، وأعط القبيلة رقم [٢] عشرة.
فهمتم؟ نعم.
لماذا نعطيه؟ لأن هذه مصلحة عامة، ينبغي أن يُشجع الفاعل عليها.
ولو قلنا: والله نحن ما وكلناك، والغُرْم عليك لكان في هذا تحطيم لأهل الإصلاح، أليس كذلك؟ كلٌّ يقول: أنا ما علي، اتركهم يقتتلون، ما دمتُ إذا سعيتُ بينهم بالصلح على مال صار المال عليَّ فأنا ما عليَّ منهم، ولهذا قال العلماء: إن هذا من ذاك، المكافأة لهذا الرجل على معروفه العظيم الذي كفَّ فيه القتال.
الغارم لنفسه مسكين، لا يُعطى إلا إذا كان فقيرًا، ويُعطى بقدر غُرْمه فقط، وإذا كان يُخشى إذا أُعطي لغُرْمه أن يُتلف المال ولا يقضي الدَّين، قلنا: اجلس في بيتك ونحن نقضي غُرْمك، نذهب إلى الطالب ونوفي عنه؛ لأننا لو أعطيناه وسلطناه على المال لأضاعه وأتلفه، إذًاَ: نذهب نحن إلى الطالب ونعطيه، ونقول: فلان مطلوب لك منه بألف ريال، فخذها وإن لم يعلم ذلك، وإن يعلم المطلوب ما علينا منه، نحن الآن أعطيناه، ولهذا قال الله: (وفي الرقاب والغارمين)، ولم يقل: للغارمين، لو قال: للغارمين لكان يجب علينا أن نملِّك الغارم هذا المال؛ لكن قال (في) التي للظرفية، يعني: أن الزكاة تكون في هذه الجهة؛ لا للشخص الغارم؛ ولكن يُشترط للغُرْم للنفس: أن يكون عاجزًا عن السداد، فإن كان قادرًا؛ فإنه لا يُعطى.
واشترط بعض العلماء: أن يكون غُرْمه في غير حرام، فإن كان في حرام؛ فإنه لا يُعطى، بل يقال: تُبْ أولًا، ثم نعطيك ثانيًا.
فإن كان هذا المدين، وهو الغارم لنفسه قادرًا على الوفاء؛ فإننا لا نعطيه؛ لأنه ليس بحاجة.
ولو كان عنده سيارة تساوي (١٠.
٠٠٠) ريال، وهي سيارة كبيرة عليه، بمعنى أن مثله لا يقتنيها؛ لأنها فخمة، أنا قلت: بعشرة آلاف ريال، وأظنها تساوي أكثر.
عنده سيارة بمائة ألف؛ ولكنه يستطيع أن يبيعها بمائة ألف، ويشتري سيارة بعشرين ألفًا، والدَّين الذي عليه (٦٠.
٠٠٠)، ماذا نقول؟ لا نعطيه؛ لأنه قادر على الوفاء.
اشترط بعض العلماء أن يكون الغُرْم في غير حرام: فلو كان هذا الرجل غارمًا؛ لكن غُرْمه بسبب شراء الدخان، فعلى هذا القول لا نعطيه؛ لأننا لو قضينا دَينه الحاصل عليه في المحرم لكان في هذا إغراء له على المحرم، أليس كذلك؟ لذلك قالوا: لا يُعطى حتى يتوب، فنقول لهذا الرجل: تُبْ من شرب الدخان ونقضي دَينك، أما أن تأتي إلينا تطلب منا أن نوفي عنك ثمن شيء محرم من أجل أن تزيد في شراء المحرم، فإننا لا نعين على الإثم والعدوان.
وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، أنه يُشترط أن يكون الغُرْم في غير حرام؛ لأنه إذا كان في حرام وسدَّدنا عنه فقد أعناه على الحرام.
لو أنه غرم في زواج، هل يُعطى؟ نعم يُعطى؛ لأن هذا غُرْم في غير حرام، بل قد يكون في واجب، فيُعطى ويُسدَّد، كل الدين الذي عليه؟ نعم، كل الدَّين، لو يبلغ (١٠٠.
٠٠٠) نسدِّده، ولو من زكاة رجل واحد.
وبعض الناس أخذ على العادة القديمة، حيث يوزع زكاته على عشرة ريالات، وريالين، وما أشبه ذلك، هذا زمن مضى، الآن العشرة ريالات ليست بشيء عند الناس.
نعم، يقول: أنا أحب أن يكون نفعها عامًا، وينسى أن الوقت تغيَّر، الآن إذا أعطيته شيئًا كثيرًا انتفع انتفاعًا كبيرًا؛ لكن إذا أعطيته عشرة ريالات، مباشرة يذهب يشتري بها برتقالًاَ، لماذا؟ لأنها لا تساوي شيئًاَ، فيبددها.
لذلك يجب أن نقول: شمول الزكاة مع إعطاء اليسير في الوقت الحاضر قد تكون من غير المصلحة، أما حين كان الناس يشترون الذبيحة بخمسة عشر قرشًا، يعني: بريال إلا ربعًا، ويشتري البُر الذي تطبخ فيه الذبيحة الكاملة بربع ريال، فإن هذا يصح أن نقول: توزَّع الزكاة على عشرة وعلى ريال، وما أشبه ذلك؛ لكن الوقت اختلف.

13 / 8