326

وفي يوم السبت خامس الشهر، اتفق لدويداري السلطان يونس الدويدار الكبير، وتمراز الدويدار الثاني أمر، وهو أنه كان من أهل ذيبى، بلد بنواحي ديروط رجل مشهور بالشجاعة والفتك والشر، اتهم بقتيل، فشكى عليه بسببه، واشتد عليه الأمر فيه، وكأنه كان بريا من قتله، فالتجأ إلى تمراز فأمنه، فالتجأ أخصامه إلى يونس، فطلبه من تمراز فمنعه منه، ثم أرسله إليه في يوم السبت هذا، فضربه بالمقارع وسجنه، فلما طلعوا يوم الأحد إلى القلعة واجتمعوا لدى السلطان أغلظ تمراز ليونس، ونسبه إلى الحكم بهوى النفس والإعراض عن الشرع، فنصر السلطان يونس عليه؛ فغضب من ذلك، وقال: لا حاجة لي بالدويدارية. فقال السلطان: اخرج عني لعنك الله، فنزل إلى بيته فطرد النقباء، وأغلق بابه، ثم ذهب إليه الأكابر فترضوه، فلم يرض، وكان من أكابر القائمين في إزالة دولة المنصور، وإثبات دولة هذا، فقال لناظر الخاص لما ذهب إليه ليترضاه: هكذا حظي طلع الظاهر إلى القلعة يوم تسلطن وأنا آخذ بركابه، وكان حظي عنده ما علمت من النفي والحس والسعي في إراقة الدم، وكان قيامي في نصر هذا الرجل كما علمت، فكان حظي منه ما ترى، ثم كثر المترددون إليه من إخوته ومن غيرهم يسألون أن يطلع يوم الخميس عاشر الشهر بلبس خلعة باستمراره على عادته، فلم يجب، واستمر في بيته منقطعا عن الخدمة، يتردد إلى القرافة وغيرها مما كان يتعهده قبل الدويدارية، ولم يخرج للقاء نائب الشام، فاشتد غضب السلطان لذلك، فطلع إليه الأمير جانم أخو الأشرف يرسباي في غير وقت الخدمة يشفع فيه، فازداد غضبا من ذلك وكلمه كلاما صعبا في ما يتحدث فيه الأشرفية فيما بينهم، وما يبرمونه له من المكائد، وأنه تنقل إليه جميعه، وقال له: هل رأيت أحدا من الأمراء طلع إلى [السلطان في] غير وقت الخدمة؟! ونحو ذلك من الكلام، الذي معناه أنكم لا تنظرون إلي بعين الإجلال اللائق بالملوك. وقال له: أقيموا سنجقكم بالرميلة، فلم يخرج من عنده إلا ساقط القوى، ثم رسم السلطان بنفي تمراز، فنفي يوم الأحد العشرين من الشهر، ولا يشك هو، ولا أحد أنه ذاهب إلى القدس، فلما كان في غزة وضع في عنقه زنجير وفي رجليه قيد وأرسل إلى صفد.

وفي يوم الجمعة حادي عشر الشهر، تواترت القرائن الدالة على أن نائب الشام جلبان يصل يوم الأحد إلى الخانكة، فطلع النا لملاقاته، ابن السلطان، وجميع الأمراء، الكبار والصغار، والمباشرين إلا كاتب السر؛ فإن السلطان منعه لما يعلم من ضعف حاله، وخفة ذات يده؛ لما حصل له في أيام الظاهر من المحن، وأقام الملاقون ظاهر الخانكاه إلا ناظر الخاص وبردبك صهر السلطان فتقدما إلى بلبيس.

وثار في يوم الأحد ثالث عشر الشهر ريح عاصف رمى الخيام وسفى عليهم الرمل، وأظلم له الأفق وقاسوا منه شدائد، وكان قد تواتر مثل ذلك في أيام متعددة في هذا الشهر، والذي قبله فأفسد المقاثي، وغلت الخضروات حتى لم تكد توجد.

Page 42