287

أصدرنا هذه المفاوضة إلى المقر الكريم؛ معربة عما نحن منطوون عليه من السرور بهذا الفتح، الذي وضح على جبين الصباح بشره، ورجح على ميزان الكواكب قدره وتبدى لكريم علمه ورود كتابه الكريم، وخطابه الذي أزرى بالدر النظيم، على يد المجلس السامي (إلى آخر ألقابهم) الجمالي يوسف القابوني الناصري، أحسن الله وفادته، ويسر إلى مقركم الكريم إعادته، فأكرمناه حين قابلناه، ورفعنا محله لما تناولناه، واستنشقنا المسك من ختامه لما فضضناه فشممنا مخامل النصر من سطوره ونزهنا النواظر في رياض منظومه ومنثوره، وانتهينا إلى ما أشار إليه من مسيره على القسطنطينية العظمى بعساكره الإسلامية وجنوده المحمدية، وأنهم أحدقوا بها، فكانوا لها أصفادا، وزلزلوا أرضها بجياد خيل وقفت صابرة، فكانت كالجبال أوتادا، وأنه أرسل إليها جواري في البحر كالأعلام ومدنا في اللجج سوائر كأنها الليالي مقلعة بالأيام، ورماها بفرسان من البر، وأقدم على منازلتها بمن أطاع الله وبر، وخطبها بكرا فتمنعت وأطالت في التجني وترفعت، فلما تحققت عظم أمرها في النفوس، ورأت كثرة ما ألقى إليها من نثار الرؤوس جنحت إلى الإحصان بعد النشوز، وعلمت أن الامتناع من قبول الإحسان لا يجوز، فأمكنت زمامها من يد خاطبها وأمتعته على رغم أنف مراقبها، وأنشد لسان الحال: وخطبتها بكرا وما أمهرتها

إلا قنا وقواضبا وفوارسا من كانت السمر العوالي مهره

جليت له بيض الحصون عرائسا الله أكبر ما جنيت ثمارها

إلا وكان أبوك قبلك غارسا هذا كله بعزائم لم يشبها في الحروب نكول ولا تقصير، فكان بحمد الله جمعه جمع سلامة، وجمع الأعداء جمع تكسير، فأخذهم أخذ القرى، وهي ظالمة، وأعلمهم أن السيوف الإسلامية، لم تترك لهم بقوة الله يدا في الحرب مبسوطة، ولا رجلا في المواقف قائمة، فزلزل أقدامهم، وأزال إقدامهم، ونكس أعلامهم، وقابل العدو بصدره، وقاتل حتى أفنى حديد بيضه وسمره، وهبت نسمات النصر على جيوشه، فقيل: يا خيل الله اركبي، ويا يد النصر اكتبي، وقام الحرب على ساق، وأضحى كل من الأعداء إلى حتفه يساق، فعند ذلك أثبت سيفه الناصري الحق؛ لأنه القاضي في ذلك المجال، ونفذت سهامه؛ لأجل تصميمه فلم تمهل، حتى أخذت دين الآجال، وهو حال: الله أكبر هذا النصر والظفر

هذا هو الفتح لا ما تزعم البشر فطهر الله منهم تلك الديار، وسلموا عندما أيقنوا بالدمار، وصارت بحمد الله نجوم الضلال آفلة، ومواطن الكفر بالإسلام آهلة، وعن الآذان يعرب حيث كان الناقوس يضرب، والله عز وجل يوحد حيث كان يجحدن والكنائس من أقسائها خالية، وأصوات حماتكم الإسلامية بالتكبير، والتوحيد بها عاليه.

Page 433